رقم قياسي في الإمارات: -5.7 درجة مئوية على جبل جيس
تخيّل أنك تقف في قلب الصحراء، حيث ترتفع الحرارة عادةً لتصل إلى مستويات تعجز عن تحمّلها، ثم فجأة تشعر ببرودة شديدة تكاد تصل إلى حد التجمد. هذا ليس مشهداً من فيلم خيال علمي، بل هو الواقع الذي عاشته الإمارات العربية المتحدة في الثالث من فبراير عام 2017. في ذلك اليوم التاريخي، سجّلت الدولة أدنى درجة حرارة هوائية في تاريخها المسجل، بواقع -5.7 درجة مئوية. لم يحدث هذا في مدينة ساحلية معتدلة، بل على منحدرات جبل جيس، أعلى قمة في الدولة، الواقعة ضمن إمارة رأس الخيمة.
اللافت للنظر هنا ليس الرقم بحد ذاته فحسب، بل استمراريته كـ"معيار ذهبي" للصقيع في المنطقة حتى وقتنا الحالي. فبينما تتحدث تقارير الطقس الحديثة عن موجات برد قاسية، يبقى سجل الـ -5.7 درجة صامداً دون منافس حقيقي. هذه القراءة الرسمية، التي وثقها المركز الوطني للأرصاد، أصبحت نقطة مرجعية لكل من يدرس المناخ المتطرف في شبه الجزيرة العربية.
لماذا جبل جيس تحديداً؟
هناك سبب علمي بسيط ومباشر لكون الجبال هي البؤرة الأكثر برودة. كلما ارتفعنا في الارتفاع، انخفضت درجة الحرارة بمعدل ثابت تقريباً (حوالي 6 درجات لكل كيلومتر ارتفاع). جبل جيس، بارتفاعه الشاهق، يعمل كنقطة تجميع للهواء البارد والكثيف، خاصة في الليالي الصافية والهادئة حيث لا توجد رياح لتخلط طبقات الهواء. في تلك الليلة من فبراير 2017، اجتمعت الظروف المثالية: سماء صافية تسمح بفقدان الحرارة الإشعاعي السريع، وهواء ساكن، وارتفاع عالٍ. النتيجة كانت قطرات ندى تحولت إلى ثلج أو صقيع غطى الصخور، وهو مشهد نادر جداً في دولة معروفة بحرارتها الشديدة طوال العام.
من المثير للاهتمام أن هذا الحدث لم يكن مجرد "يوم بارد" عابر، بل كان استثناءً إحصائياً نادراً. التقارير الإعلامية مثل صحيفة الخليج تايمز وغلف نيوز سلطت الضوء لاحقاً على مدى صعوبة تكرار هذا السيناريو. فالظروف الجوية التي تؤدي إلى انخفاض الحرارة لما دون الصفر في منطقة صحراوية تتطلب مزيجاً دقيقاً جداً من العوامل المناخية التي نادراً ما تتزامن.
مقارنة مع الموجات الباردة الحديثة
قد يتساءل القارئ: هل اقتربت أي موجة برد حديثة من هذا الرقم القياسي؟ الإجابة المختصرة هي "لا". دعونا ننظر إلى أحدث البيانات. في 22 يناير 2026، سجل المركز الوطني للأرصاد قراءة قدرها 0.2 درجة مئوية على جبل جيس نفسه، في تمام الساعة 5:45 صباحاً. ورغم أن هذا يعتبر "أبرد يوم" في موسم الشتاء لعام 2025-2026، إلا أنه يظل بعيداً كل البعد عن رقم الـ -5.7. الفرق بين 0.2 و -5.7 قد يبدو صغيراً في الأرقام الحسابية، لكنه فرق شاسع في العالم الطبيعي؛ الأول يعني رطوبة عالية وصقيع محتمل، والثاني يعني تجمداً حقيقياً للماء.
وليس جبل جيس هو المكان الوحيد الذي يشهد برودة قاسية. هناك مواقع داخلية أخرى تتنافس معه في تسجيل أدنى درجات الحرارة الموسمية. مثلاً، في 9 يناير 2021، سجلت منطقة رَكْنة في إمارة أبوظبي درجة حرارة بلغت -2 درجة مئوية عند الساعة 5:15 صباحاً. الصور التي نشرتها وسائل الإعلام آنذاك أظهرت دلاء متجمدة وتكوّن الجليد على الأرض، مما يؤكد أن البرودة ليست حكراً على الجبال فقط، بل تمتد لتشمل المناطق الداخلية المنخفضة نسبياً إذا توفرت ظروف السكون الهوائي والصفاء السماوي.
نمط البرودة في المناطق الداخلية
إذا تتبعنا بيانات المركز الوطني للأرصاد خلال السنوات الأخيرة، سنلاحظ نمطاً واضحاً. المناطق مثل رَكْنة (في منطقة العين) وجبل جيس تظهر بشكل متكرر كأبرد المواقع في الدولة. في نوفمبر 2025، سجلت رَكْنة أدنى حرارة موسمية مبكرة بلغت 9.8 درجة مئوية، وهي قراءة تُعتبر باردة جداً لبداية الموسم مقارنة بالمناطق الساحلية. وفي يونيو ويوليو 2026، استمرت هذه المناطق في تسجيل أدنى درجات الحرارة الليلية، حيث تراوحت بين 19.9 و 25.9 درجة مئوية، بينما كانت المدن الساحلية مثل دبي تشهد ليالي أكثر دفئاً بسبب تأثير البحر.
حتى في أشهر الصيف، تبقى هذه المرتفعات والمناطق الداخلية "واحات برودة" نسبية. ففي يوليو 2026، سجلت منطقة "دمثة" درجة حرارة 21.7 درجة مئوية فجراً، بينما كانت جبل جيس يسجل 25.4 درجة. هذا التباين يوضح كيف تلعب التضاريس دوراً حاسماً في توزيع الحرارة، حتى في ذروة الصيف.
ماذا يقول الخبراء عن المستقبل؟
يرى خبراء الأرصاد أن تكرار حدث بحجم -5.7 درجة يعتمد بشكل كبير على ظاهرة النينيو والنينيا وتأثيراتها على الأنظمة الضغطية فوق الشرق الأوسط. رغم الاتجاه العالمي نحو الاحترار، فإن الظواهر الجوية المتطرفة (مثل موجات الصقيع المفاجئة) قد تصبح أكثر حدة وغير متوقعة. المركز الوطني للأرصاد، بصفته الجهة المخولة رسمياً، يستمر في مراقبة هذه المؤشرات بدقة، مستخدماً شبكة واسعة من محطات الرصد الآلية والبشرية لضمان دقة البيانات.
أسئلة شائعة حول أدنى درجات الحرارة في الإمارات
ما هي أدنى درجة حرارة مسجلة في تاريخ الإمارات؟
أدنى درجة حرارة مسجلة رسمياً في تاريخ الإمارات هي -5.7 درجة مئوية. تم قياس هذه القراءة في الثالث من فبراير 2017 على منحدرات جبل جيس في إمارة رأس الخيمة، وتم توثيقها بواسطة المركز الوطني للأرصاد.
هل تم كسر هذا الرقم القياسي منذ عام 2017؟
لا، لم يتم كسر الرقم القياسي حتى الآن. أحدث موجات البرد، مثل تلك التي حدثت في يناير 2026 وسجلت فيها حرارة 0.2 درجة مئوية على جبل جيس، ظلت أقل برودة بكثير من الرقم القياسي التاريخي البالغ -5.7 درجة.
لماذا تعتبر منطقة رَكْنة باردة جداً؟
تقع رَكْنة في منطقة العين بإمارة أبوظبي، وتتميز بتضاريسها الداخلية المفتوحة وقلة الرطوبة البحرية. هذا يسمح بفقدان سريع للحرارة أثناء الليل (التبريد الإشعاعي)، مما يجعلها واحدة من أبرد المناطق في الدولة، حيث سجلت سابقاً درجات حرارة تحت الصفر مثل -2 درجة في عام 2021.
ما هو الفرق في البرودة بين جبل جيس والمدن الساحلية مثل دبي؟
الفارق كبير بسبب الارتفاع والقرب من البحر. جبل جيس يقع على ارتفاع شاهق حيث تنخفض الحرارة طبيعياً مع الارتفاع. أما دبي فتأثر بالبحر الذي يحتفظ بالحرارة، مما يمنع درجات الحرارة من الانخفاض لمستويات متطرفة. أدنى حرارة مسجلة في مدينة دبي نفسها هي حوالي 5 درجات مئوية، وهي أعلى بكثير من قاع الجبال.
متى تكون أفضل فترة لرؤية الثلج أو الصقيع في الإمارات؟
عادةً ما تحدث موجات الصقيع الشديد في شهري يناير وفبراير، عندما تشتد الكتل الهوائية الباردة القادمة من الشمال. ومع ذلك، فإن رؤية الثلج الفعلي أمر نادر جداً ويتطلب ظروف مناخية استثنائية تجمع بين البرودة الشديدة والرطوبة الكافية في الطبقات العليا من الجو، كما حدث في بعض الحالات التاريخية على جبل جيس.