لغز المسيّرات في الأردن: لماذا تتحفظ عمّان على مصدرها؟

لغز المسيّرات في الأردن: لماذا تتحفظ عمّان على مصدرها؟

ثلاث مسيّرات، أقل من 24 ساعة، وصمت رسمي لافت. هذا هو المشهد الذي فرضته القوات المسلحة الأردنية خلال الأيام الماضية، بعد إعلانها اعتراض طائرات دون طيار اخترقت المجال الجوي للمملكة. لكن السؤال الذي يهيمن على الأوساط السياسية والأمنية ليس "هل تم إسقاطها؟"، بل "من أرسلها ولماذا لا نعرف ذلك رسميًا؟".

التقرير الأخير الذي نشرته منصة صوت عمان في 29 يوليو/تموز 2026 كشف عن فجوة واضحة بين المعطيات الاستخبارية المتاحة للجهات المختصة وبين البيانات العسكرية المنشورة. فبينما اكتفى الجيش بالإشارة إلى أن الأهداف جاءت من جهة الصحراء الشرقية المحاذية للحدود العراقية، تشير مصادر مطلعة نقلتها تقارير إخبارية إلى أن الأصابع تشير بوضوح نحو فصائل مسلحة موالية لإيران داخل العراق.

غياب المصدر.. قرار سياسي أم غموض تقني؟

هنا تكمن المفارقة. التقارير الفنية والاستخبارية التي تمتلكها دوائر القرار في عمّان ترجح بقوة وقوف فصائل عراقية وراء هذه الحوادث. لكن عدم ذكر اسم الدولة أو الجهة في البيان الرسمي لم يكن ناتجًا عن نقص في المعلومات، بل كان خيارًا سياسيًا مدروسًا بعناية. الهدف؟ الموازنة الدقيقة بين حماية الأمن الوطني والحفاظ على العلاقات المتنامية مع بغداد.

الأردن والعراق يعيشان مرحلة تقارب غير مسبوقة، مليئة بالمشاريع الاقتصادية والتنسيق الأمني المشترك. الكشف العلني عن أن مسيّرات إيرانية الصنع انطلقت من أراضٍ عراقية قد يعكر صفو هذه العلاقة، خاصة وأن الفصائل المعنية تعمل ضمن منظومة سياسية معقدة في بغداد. لذا، فضلت عمّان الصمت الدبلوماسي على المواجهة الإعلامية، مكتفية بتأكيد السيادة الجوية دون توجيه اتهام مباشر قد يتطلب رد فعل دبلوماسي حاد.

تاريخ طويل من الاختراقات الحدودية

ليست هذه المرة الأولى التي تواجه فيها المملكة تحدي "السماء المفتوحة". فالظاهرة ليست جديدة، بل هي تراكم لسنوات من التوترات الأمنية. لنعد بالذاكرة قليلاً:

  • أكتوبر 2021 - فبراير 2023: وثق العربي الجديد ثلاث عمليات إسقاط لمسيّرات قادمة من سوريا، إحداها كانت تحمل قنابل يدوية وبندقية، مما ينفي كونها مجرد أدوات تجسس بسيطة.
  • نوفمبر 2024: سقطت ثلاث مسيّرات مجهولة المصدر شمال البلاد (إربد وجرش) دون إصابات، وفق تقرير لوكالة الأناضول.
  • 2024 بشكل عام: أسقط الجيش الأردني نحو 9 مسيّرات محملة بالمخدرات قادمة من الجنوب السوري، حسب دراسة لمركز آتون للدراسات.

التحول الجوهري بدأ في مايو 2022، عندما لجأت شبكات التهريب إلى المسيّرات بعد مقتل جندي أردني في اشتباك حدودي. منذ ذلك الحين، أصبحت هذه الطائرات الصغيرة ذات البصمة الرادارية المنخفضة كابوسًا لـسلاح الجو الملكي وقوات حرس الحدود، خاصة عند تشغيلها ليلاً حيث يصعب رصدها بصريًا.

من أين تأتي الخطر؟ خريطة المصادر المحتملة

من أين تأتي الخطر؟ خريطة المصادر المحتملة

وفقًا لتحليلات الخبراء العسكريين مثل أبو زيد وأبو نوار، فإن مصادر التهديد متعددة ومتداخلة:

  1. جنوب سوريا: ميليشيات شيعية تستخدم الحدود الجنوبية الغربية للأردن كممر لتهريب المخدرات والأسلحة نحو الداخل أو نحو الأراضي المحتلة.
  2. العراق: فصائل موالية لإيران تطلق مسيّرات إما لاستهداف إسرائيل (عبر المرور بالأجواء الأردنية) أو كجزء من صراع نفوذ إقليمي.
  3. الأراضي المحتلة (إسرائيل): في بعض الحالات، تكون المسيرات القادمة من الجنوب الغربي مرتبطة بمحاولات تهريب عكسية أو استطلاع متبادل.

هذا التعقيد يجعل تحديد "الملكي" أمرًا حساسًا. هل هي حرب مخدرات؟ أم رسالة سياسية إيرانية؟ أم اختبار لقدرات الدفاع الجوي الأردني؟ الإجابة الرسمية تبقى معلقة في الهواء، حرفيًا ومجازيًا.

تحديات السيادة الجوية في عصر الدرونز

تحديات السيادة الجوية في عصر الدرونز

المقال التحليلي في موقع "نخبة بوست" وصف الوضع بأنه "اختبار للسيادة الجوية". التكنولوجيا تطورت أسرع من قدرة الدول على التكيف معها. المسيرات الحديثة تستطيع تعديل بصمتها الرادارية لتفلت من أجهزة التتبع التقليدية، مما يفرض على الأردن تحديث ترسانته الدفاعية باستمرار.

التقارير الإقليمية، بما فيها تحقيق لوكالة رويترز في يونيو 2026، تؤكد وجود منظومات إطلاق نشطة من داخل العراق تصل أهدافها حتى الخليج العربي. هذا يعني أن الأردن يقع في قلب مسار جوي مزدحم بالنشاط العسكري غير التقليدي، مما يستدعي يقظة دائمة وتنسيقًا إقليميًا دقيقًا.

أسئلة شائعة حول لغز المسيّرات في الأردن

لماذا لا تكشف الأردن رسميًا عن مصدر المسيّرات الأخيرة؟

يرجع السبب الرئيسي إلى اعتبارات دبلوماسية وسياسية. رغم امتلاك الأجهزة الأمنية معلومات استخبارية ترجح وقوف فصائل عراقية موالية لإيران خلف هذه المسيّرات، إلا أن الكشف العلني قد يضر بالعلاقات الثنائية المتنامية مع العراق. تهدف عمّان إلى الحفاظ على توازن دقيق بين حماية سيادتها الجوية وعدم إشعال فتيل أزمة سياسية مع جارها الشرقي، خاصة في ظل المشاريع المشتركة والتنسيق الأمني الحالي.

ما هي الأدلة التي تربط الفصائل العراقية بالمسيّرات؟

تعتمد التقديرات على معطيات فنية واستخبارية تشمل نقاط انطلاق المسيرات من مناطق سيطرة الفصائل في غرب العراق، ومسارات الطيران التي تتجه نحو الصحراء الشرقية الأردنية. كما تستند التقارير إلى أنماط استخدام هذه الفصائل للمسيرات في هجمات سابقة باتجاه إسرائيل أو أهداف أخرى، مما يجعل مرورها عبر الأجواء الأردنية احتمالاً وارداً ومستنداً إلى سجل عملياتي معروف.

هل كل المسيّرات التي تسقط في الأردن لها طابع عسكري؟

لا، بالتأكيد. تظهر البيانات التاريخية تنوعًا كبيرًا في الأغراض. فبينما قد تكون بعض المسيّرات ذات طابع استطلاعي أو هجومي مرتبط بالصراع الإقليمي، استخدمت شبكات التهريب بكثرة المسيّرات لنقل المخدرات والسلاح عبر الحدود الشمالية مع سوريا والشرقية مع العراق. في عام 2024 وحده، أسقط الجيش حوالي 9 مسيّرات كانت محملة بالمخدرات فقط، مما يؤكد أن جزءًا كبيرًا من هذا النشاط هو جريمة منظمة وليست أعمالاً عسكرية تقليدية.

كيف يواجه سلاح الجو الملكي هذه التهديدات التقنية؟

يواجه سلاح الجو تحديًا تقنيًا بسبب البصمة الرادارية الصغيرة للمسيرات، خاصة أثناء الليل. يعتمد الجيش على مزيج من الرادارات الأرضية المتطورة، والمراقبة البصرية في النهار، وأنظمة تشويش وإسقاط كهربائية. كما يتم تعزيز التعاون مع دول الجوار لتبادل المعلومات الاستخباراتية مبكرًا، لضمان رصد أي اختراقات قبل دخولها العمق الأردني، مع التركيز على تأمين المناطق الحدودية الخالية من السكان حيث تحدث معظم الإسقاطات.

ما تأثير هذه الحوادث على أمن الحدود الأردنية؟

رفعت هذه الحوادث من مستوى التأهب الأمني على طول الحدود الشمالية والشرقية. أصبحت مواجهة تهريب المخدرات والسلاح عبر الجو أولوية قصوى للأمن القومي، حيث تصف الدراسات الأمنية هذه العمليات بأنها "حرب" مستمرة. هذا الواقع يدفع الأردن لإعادة تقييم استراتيجياته الدفاعية الجوية وتطوير أنظمة إنذار مبكر أكثر حساسية للتعامل مع التهديدات غير المتماثلة التي تفرضها الطائرات بدون طيار.