إسرائيل توسّع التوغل إلى قلب رفح وتقصف مخيمات النازحين في جنوب غزة
لم تكن الدبابات مجرد خط فاصل، بل أصبحت واقعاً معيشياً في شوارع رفح. توغلت قوات الجيش الإسرائيلي عميقاً داخل قلب المدينة الجنوبية لقطاع غزة، متجاوزةً الحدود التي كانت تعتبرها سابقاً خطوط تماس مؤقتة. وصلت الآليات المدرعة إلى "دوار العودة" وتلة زعرب، مسيطرةً على ما يقارب 60% من مساحة المدينة، بينما تتساقط القذائف على خيام النازحين في منطقة المواصي الساحلية، تلك المنطقة التي وصفتها الأمم المتحدة سابقاً بأنها "آمنة".
هناك شيء غريب في هذا المشهد؛ فالعملية التي بدأت في 6 مايو 2024 بوصفها "محدودة" في الأطراف الشرقية، تحولت إلى حرب استنزاف واسعة النطاق امتدت لتشمل المحاور الثمانية الرئيسية للمدينة. لم يعد الأمر مجرد تبادل إطلاق نار عند الحدود المصرية، بل هو سيطرة فعلية على البنية التحتية المدنية والعسكرية، بما في ذلك معبر رفح الحدودي الذي بات تحت الحصار الكامل.
من الأطراف إلى المركز: كيف تغيّرت خريطة السيطرة؟
التحول كان مفاجئاً ومزعجاً للمراقبين. بعد أسابيع من التقدم البطيء، اخترقت الدبابات الإسرائيلية الخطوط الدفاعية المتبقية لتصل إلى وسط رفح. أفادت تقارير ميدانية بأن القوات تمركزت عند دوار العودة، نقطة ارتكاز استراتيجية تبعد 800 متر فقط عن الحدود المصرية. لكن لم يتوقف الأمر عند ذلك؛ فصعود القوات إلى تلة زعرب (Zoroub Hill) منحهم رؤية بانورامية للحدود والمدينة معاً. إنه تحرك عسكري محسوب بدقة، يهدف إلى عزل الجنوب وقطع أي اتصال محتمل بين الأحياء.
لم تقتصر العمليات على محور واحد. وثّق تقرير لقناة "العربية" انتشار القوات عبر ثمانية محاور رئيسية، بدءاً من شارع صلاح الدين مروراً بحي يبنا وعزوز، وصولاً إلى تل السلطان والحي السعودي. كل محور يمثل قصة معاناة جديدة؛ منازل مدمرة، طرق مقطوعة، وأسر مفصومة. يبدو أن الهدف ليس فقط القضاء على مقاتلي حركة حماس، بل إعادة تشكيل الجغرافيا السكانية للقسم الجنوبي من القطاع بالكامل.
الإنسان في قلب العاصفة: أرقام مرعبة خلف الدمار
ما وراء الخرائط العسكرية، هناك بشر يدفعون الثمن. تشير بيانات مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية إلى نزوح نحو مليون شخص من رفح منذ بدء الهجوم المكثف. تخيلوا حجم هذه الكارثة: مدينة كاملة فارغة من سكانها الأصليين، مليئة بالنازحين الذين فقدوا كل شيء. وفي واحدة من أكثر اللحظات المروعة، أسفرت ضربة إسرائيلية على مخيم نازحين عن مقتل ما لا يقل عن 45 شخصاً في دقائق معدودة، وفق وزارة الصحة في غزة.
الأرقام ليست مجرد إحصائيات باردة. فهي تعني أكثر من 36,000 قتيل فلسطيني في القطاع بأكمله منذ أكتوبر 2023. وحتى بعد توقيع اتفاقات وقف إطلاق النار، واصلت اللجان المحلية توثيق انتهاكات أدت لاستشهاد أكثر من 20 فلسطينياً إضافياً في رفح وحدها. وصف المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان المدينة بأنها "مدينة بلا حياة تحت الاحتلال"، وهي عبارة تختصر حجم الألم والمعاناة اليومية لسكانها.
الصوت القانوني والدولي: هل يكفي قرار المحكمة؟
في محاولة لكبح جماح الحرب، أصدرت محكمة العدل الدولية قراراً تاريخياً في 25 مايو 2024، طالبت فيه إسرائيل بتوقف فوري عن عملياتها في رفح. كان القرار واضحاً: العمليات قد تؤدي إلى ظروف حياة تهدد بـ"الإبادة الجماعية". لكن الواقع على الأرض قال شيئاً مختلفاً تماماً. استمر القصف، واستمر التوغل، وكأن القرار القضائي الدولي مجرد ورقة على الرف.
من واشنطن، جاء رد فعل حذر. صرح جون كيربي، المتحدث باسم مجلس الأمن القومي، بأن الولايات المتحدة لا ترى أن إسرائيل أطلقت "غزوًا شاملاً"، رغم الأدلة المرئية على الأرض. هذا التباين بين الخطاب السياسي والدبلوماسي والواقع الميداني خلق فراغاً قانونياً وسياسياً يستغله الجانبان. بينما أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عزمه على المضي قدماً، أشارت تقارير إلى موافقة حماس على مقترح وقف إطلاق نار، لكن الخلافات حول التفاصيل أبقت الباب مفتوحاً أمام استمرار المعاناة.
ماذا بعد؟ مستقبل غامض تحت وطأة الدبابات
لا يوجد جدول زمني واضح لإنهاء هذا الفصل الدموي. التقارير الأخيرة من أغسطس 2026 تشير إلى استمرار التوغلات خارج "الخط الأصفر" في مواصي رفح، وإطلاق نار كثيف على خيام النازحين. يبدو أن التمركز العسكري أصبح نهجاً طويل الأمد، وليس مجرد عملية عسكرية مؤقتة. مع استمرار السيطرة على 60% من المدينة، واستخدام القناصة والطائرات المسيرة "كوادكابتر" لمراقبة كل حركة، يبقى السؤال الأهم: متى ينتهي هذا الكابوس؟
المستقبل يعتمد على توازن هش بين الضغط الدولي، والإرادة السياسية الإسرائيلية، والصمود الشعبي الفلسطيني. لكن حتى الآن، تبدو رفح عالقة في حلقة مفرغة من التدمير والنزوح، حيث تتحول كل يوم إلى شهادة جديدة على قسوة الحرب على المدنيين.
أسئلة شائعة
ما هي نسبة السيطرة الإسرائيلية الحالية على مدينة رفح؟
تشير التقارير الميدانية والحقوقية إلى أن الجيش الإسرائيلي يسيطر على ما يقارب 60% من مساحة مدينة رفح. تشمل هذه السيطرة تمركزاً فعلياً للدبابات والآليات في وسط المدينة وغربها، بالإضافة إلى السيطرة النارية على المناطق المجاورة، مما يجعل الحركة فيها شبه مستحيلة دون خطر الموت.
كم عدد النازحين الذين غادروا رفح منذ بدء العملية العسكرية الكبرى؟
أفاد مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية بنزوح نحو مليون شخص من محافظة رفح منذ بدء التوغل العسكري المكثف في مايو 2024. هذا الرقم يعكس تهجيراً جماعياً غير مسبوق، حيث اضطرت الأسر لمغادرة بيوتها عدة مرات بحثاً عن ملاذ آمن، غالباً ما يكون بعيداً عن مراكز المدن المكتظة.
ما الموقف الرسمي لمحكمة العدل الدولية من العمليات في رفح؟
في 25 مايو 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية أمراً بإيقاف فوري للعمليات العسكرية في رفح، معتبرة أنها قد تفرض ظروف حياة تهدد بخطر الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين. ورغم قوة الصياغة القانونية للقرار، إلا أن إسرائيل واصلت تقدمها البري والقصف الجوي، مما أثار تساؤلات حول فعالية الإنفاذ الدولي.
هل توقفت العمليات العسكرية بعد اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة؟
لا، لم تتوقف العمليات بشكل كامل. وثقت لجنة الطوارئ المركزية في رفح استشهاد أكثر من 20 فلسطينياً بعد توقيع اتفاقات وقف إطلاق النار، بسبب استمرار التوغلات في وسط وغرب المدينة. كما أكدت تقارير ميدانية في عامي 2025 و2026 استمرار إطلاق النار والتوغلات الجديدة، مما يشير إلى أن الهدنات كانت مؤقتة وغير مستدامة.
ما هي أبرز المحاور العسكرية التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي داخل رفح؟
سيطرت القوات الإسرائيلية على ثمانية محاور رئيسية، منها محور معبر رفح الحدودي، ومحور شارع صلاح الدين حتى تل زعرب، ومحور دوار الجوازات، بالإضافة إلى محاور تصل إلى تل السلطان والحي السعودي ومخيم الشابورة. هذه المحاور تشكل شبكة سيطرة تمنع التواصل بين أحياء المدينة وتعزل المناطق الجنوبية عن باقي القطاع.
Rawan Halabi
الواقع أن ما يحدث في رفح ليس مجرد نزاع عسكري، بل هو تفكيك ممنهج للهوية والذاكرة المكانية. حين تتحول الخيام التي كانت ملاذاً مؤقتاً إلى مقابر جماعية تحت قصف "المواصي"، نكون أمام مشهد وجودي يهدد جوهر الإنسان الفلسطيني. التوغل إلى قلب المدينة يعني السيطرة على السردية التاريخية قبل السيطرة على الأرض نفسها.
إنها مأساة فلسفية بامتياز؛ فالأرقام التي تذكرها التقارير، كالمليون نازح أو الستين بالمئة من السيطرة، تبدو باردة على الورق لكنها حارقة في الواقع. كل رقم يمثل قصة انقطاع عن الجذور، وعن الأمان الذي كان يُفترض أن يكون حقاً أصيلاً. الدبابات لا تدمر الجدران فحسب، بل تحاصر الأرواح في زوايا ضيقة من الوجود.
Abdalla Kassim
الحقيقة إننا نشوف المشهد من بعيد بس الألم وصلنا لحد هنا في مصر. القرار الدولي اللي صدر عن محكمة العدل الدولية كان واضح وصرح، بس التنفيذ؟ ده اللي مفقود تماماً. يبدو إن القوة هي اللغة الوحيدة اللي يفهمها البعض حالياً.
غريب شوي كيف إن العملية بدأت "محدودة" وصارت حرب استنزاف مفتوحة. الثمانية محاور اللي ذكرتها المقال بتوضح إن الهدف مو بس قتالي، فيه نية لإعادة تشكيل الخريطة السكانية بالكامل. هذا النوع من الحروب طويلة الأمد وأثرها النفسي أكبر من المادي بكثير.
Abdullah Shaker
التصريح الأمريكي بأن إسرائيل لم تبدأ "غزواً شاملاً" هو تناقض صارخ مع الأدلة المرئية على الأرض. سيطرة 60% من رفح وقصف مخيمات النازحين ليست إلا أوصافاً لغزو كامل بكل المعايير العسكرية والقانونية. هذا الخطاب الدبلوماسي المتحفظ يخلق فراغاً قانونياً يستغله المحتل لتوسيع نطاق عملياته دون رادع حقيقي.
من المهم الإشارة إلى أن استمرار التوغلات حتى بعد اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة يدل على هشاشة هذه الهدنات. ما يحدث في رفح هو استراتيجية ترهيب منهجية تهدف إلى كسر إرادة الصمود الشعبي. الأرقام المرعبة، مثل مقتل 45 شخصاً في ضربة واحدة، تؤكد أن المدنيين هم الهدف المباشر وغير المباشر لهذه العمليات. يجب الضغط الدولي الحقيقي وليس مجرد التصريحات الإعلامية الرنانة.
Ahmad Abdullah
والله يا جماعة الوضع صعب جداً ومقلق. ناسنا في رفح مش عارفين وين يروحون ولا متى يرجعون. القناصة والطائرات المسيرة بتراقب كل حركة، وهذا إحساس بالخوف الدائم اللي ما يقدر أحد يتصوره إلا اللي عايشينه.
الأمل الوحيد هو الصمود الشعبي والدعم الدولي المستمر. لازم نبقى متيقظين ومتابعين لكل خبر لأن الحقيقة غالباً بتتوارى خلف الضجيج الإعلامي. الله يحفظ أهلنا هناك ويخلصهم من هذا الكابوس.