الأردن يتفوق عالميًا في الذكاء الاصطناعي المسؤول: المرتبة 49 والثانية إقليميًا
حصلت المملكة الأردنية الهاشمية على مرتبة متقدمة مفاجئة في سباق التكنولوجيا العالمي، حيث احتلت المركز الـ49 عالميًا والثاني إقليميًا في مؤشر الذكاء الاصطناعي المسؤول لعام 2026عالميًا. الرقم ليس مجرد ترتيب؛ بل هو شهادة على تحول نوعي في كيفية تعامل الدولة مع التقنيات الناشئة، بعيدًا عن كونها أدوات تقنية جافة، نحو منظومة متكاملة تشمل الحوكمة وحماية الحقوق. المفاجأة الحقيقية تكمن في التفوق الواضح على متوسط منطقة الشرق الأوسط، مما يضع المملكة في مصاف الدول التي تفهم أن "الذكاء الاصطناعي" ليس فقط خوارزميات، بل سياسات ومهارات بشرية.
النشر الأصلي للتقرير تم يوم الأربعاء 29 يوليو 2026، الساعة 10:28 صباحًا عبر صحيفة الوقائع الإخبارية، وأعادت صحيفة الغد نشر التغطية لاحقًا في التاريخ نفسه. الأرقام صادرة عن المركز العالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي (GIRAI)، الذي منح الأردن نتيجة إجمالية بلغت 40.46 نقطة من أصل 100. للمقارنة، كان متوسط دول الشرق الأوسط عند 32.07 نقطة فقط. هذا الفارق البالغ أكثر من 8 نقاط يعكس جهدًا مؤسسيًا تراكميًا، وليس صدفة عابرة. التقييم شمل 135 دولة وولاية قضائية، وتفوق الأردن على 64% منها، متجاوزًا بفارق كبير متوسط أقرانه من فئة الدخل المتوسط الأدنى الذين سجلوا 27.0 نقطة.
أين يلمع الأردن وأين يتعثر؟ تحليل الأبعاد الخمسة
لكن دعونا لا نكتفي بالرقم الإجمالي. التقرير يفكك الأداء إلى خمسة أبعاد رئيسية، وهنا تظهر الصورة الحقيقية. أقوى ما لدى الأردن هو بُعد "العمل والمهارات". هنا، قفزت المملكة إلى المرتبة العشرين عالميًا والأولى إقليميًا، مسجلة 61.91 نقطة. هذا ليس رقمًا تقنيًا بحتًا؛ إنه انعكاس مباشر لبرامج إعادة التأهيل ورفع المهارات ونشر الثقافة الرقمية التي نفذتها الحكومة والجامعات خلال السنوات الأخيرة. عندما يقارن المرء هذا الرقم بمتوسط الشرق الأوسط لنفس البعد (34.73 نقطة)، يدرك حجم الإنجاز في بناء رأس المال البشري.
على الجانب الآخر، كانت النتائج أقل إشراقًا في أبعاد أخرى حساسة. سجل الأردن 39.03 نقطة في "الثقة والسلامة"، و30.82 نقطة في "الأخلاقيات والاستدامة"، و27.10 نقطة في "الشمول والتنوع". هذه الأرقام، رغم تجاوزها للمتوسط الإقليمي في بعضها، تكشف عن فجوات واضحة. على سبيل المثال، سجلت المملكة صفرًا في مؤشرات دقيقة مثل حقوق الأطفال في سياق الذكاء الاصطناعي، والتنوع الثقافي واللغوي، والأثر البيئي للأنظمة الخوارزمية. كما غاب الإفصاح الحكومي الكامل عن الأنظمة الخوارزمية المستخدمة، وهو ما يمثل تحديًا للشفافية.
- نقاط القوة: الأمن السيبراني (98.5 نقطة)، تقديم الخدمات العامة (95.1 نقطة)، حماية المستهلك (94.5 نقطة).
- الفجوات الحرجة: تقييم الأثر (17.1 نقطة)، محو أمية الذكاء الاصطناعي (65.5 نقطة - جيدة لكنها قابلة للتحسن)، غياب الأطر الملزمة في بعض المجالات.
من الأكاديميا إلى السوق: أصوات الخبراء تفسر الأرقام
للحصول على عمق أكبر، تحدثنا مع خبراء بارزين في المشهد الرقمي الأردني. الدكتور عمر الزعبي, عميد كلية الذكاء الاصطناعي في جامعة البلقاء التطبيقية, يرى أن هذا التصنيف ليس إلا ثمرة لنضج مؤسسي. "التقدم يعكس تكامل العمل بين الحكومة والقطاع الخاص والجامعات," يقول الزعبي. ويضيف أن تأسيس أول كلية متخصصة بالذكاء الاصطناعي في المنطقة لم يكن خطوة رمزية، بل استجابة لحاجة سوق العمل. الجامعة جعلت مساق "تطبيقات الذكاء الاصطناعي" متطلبًا جامعيًا لجميع الطلبة، واستحدثت منصب مساعد العميد للتكنولوجيا لتعزيز الحوكمة. "نحن نتحول من مجرد مستهلكين للتقنية إلى مطورين لها," يؤكد الزعبي.
من زاوية أمنية وتقنية، يشير الدكتور بشير الدويري, المتخصص في هندسة وأمن شبكات الحاسوب في الجامعة الأميركية بمادبا, إلى أن الخطوة التالية يجب أن تكون تحويل الاستراتيجيات العامة إلى أطر وطنية ملزمة. "لا يكفي وجود مبادرات," يحذر الدويري. "نحتاج إلى تدقيق مستقل للأنظمة الخوارزمية وإخضاعها لمعايير صارمة لحماية الخصوصية." رأيه ينبع من إدراك بأن الثقة في التقنية تتآكل إذا غابت الشفافية والإلزام القانوني.
أما المهندس حجازي النتشة, المدير العام لشركة كوكب لتطوير الذكاء الاصطناعي, فيطرح نقطة جوهرية حول الفجوة بين "وجود البرامج" و"فعالية الكفاءات". ويقارن نتائج مؤشر GIRAI بنتائج مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لعام 2025 الصادر عن Oxford Insights. بينما حصل الأردن على درجة عالية في "العمل والمهارات" (61.91) لدى GIRAI، حصل على درجة أقل بكثير في "رأس المال البشري" (36.53) لدى Oxford Insights. "هذا الفرق يعكس فجوة حقيقية," يشرح النتشة. "إطلاق برامج التدريب شيء، وتحويل المتدربين إلى كوادر مؤهلة تعمل فعليًا في السوق شيء آخر." ويشير إلى أن 78% من أطر دول الجنوب العالمي لا تزال غير ملزمة، داعيًا إلى قياس أثر التدريب بمخرجاته الفعلية، مثل عدد الوظائف المحصلة خلال ستة أشهر من انتهاء الدورة.
ما وراء الأرقام: السياق الاستراتيجي والمستقبل
تنسجم هذه النتيجة بشكل وثيق مع الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي للأعوام 2023-2027، التي تهدف لترسيخ مكانة الأردن كمركز إقليمي رائد. لكن السؤال المطروح الآن: هل ستبقى هذه الإنجازات طوعية وإرشادية، أم ستتحول إلى تشريعات صارمة؟ التقارير تشير إلى أن ملفات الأدلة المعتمدة تضم 24 عنصرًا موثقًا فقط، مما يعني أن هناك مساحة واسعة لتحسين الشفافية والتوثيق. التحديات المستقبلية تتمثل في سد الفجوات في الشمول والتنوع، وضمان ألا يترك التقدم التقني خلفه فئات مجتمعية أو لغوية.
أسئلة شائعة حول تصنيف الأردن في الذكاء الاصطناعي
كيف قارن الأردن بأقرانه في منطقة الشرق الأوسط؟
تفوق الأردن بشكل ملحوظ على متوسط منطقة الشرق الأوسط. بينما بلغ متوسط المنطقة 32.07 نقطة إجمالًا، سجل الأردن 40.46 نقطة. في بُعد "العمل والمهارات" تحديدًا، كان الفارق هائلًا، حيث سجل الأردن 61.91 نقطة مقابل 34.73 نقطة للمتوسط الإقليمي، مما وضعه في المرتبة الأولى إقليميًا في هذا الجانب الحيوي.
ما هي أبرز نقاط الضعف التي كشفها التقرير؟
رغم القوة في المهارات والأمن السيبراني، كشف التقرير عن ضعف في أبعاد الأخلاقيات والشمول. سجل الأردن صفرًا في مؤشرات مثل حقوق الأطفال في سياق الذكاء الاصطناعي، والتنوع الثقافي واللغوي، والأثر البيئي. كما غاب الإفصاح الحكومي الكامل عن الأنظمة الخوارزمية، وسجل تقييم الأثر رقماً منخفضاً جداً (17.1 نقطة)، مما يشير إلى حاجة ماسة لأطر تنظيمية أوضح.
ما الفرق بين مؤشر GIRAI ومؤشر Oxford Insights حسب رأي الخبراء؟
حسب المهندس حجازي النتشة، لا يتعارض المؤشران بل يكملان بعضهما. يقيس مؤشر GIRAI وجود السياسات والبرامج والحوكمة (وهذا ما نجح فيه الأردن)، بينما يقيس مؤشر Oxford Insights مدى توفر الكفاءات البشرية الفعلية القادرة على تنفيذ هذه البرامج في سوق العمل. الفجوة بين الدرجتين تعكس التحدي المتمثل في تحويل المخرجات التعليمية إلى وظائف منتجة ومستدامة.
ما الدور الذي لعبته الجامعات الأردنية في هذا التقدم؟
لعبت الجامعات، وعلى رأسها جامعة البلقاء التطبيقية، دورًا محوريًا عبر إنشاء كليات متخصصة وإدراج مساقات الذكاء الاصطناعي كمتطلبات أساسية لجميع التخصصات. هذا النهج أكسب الأردن ميزة تنافسية في بُعد "المهارات"، حيث أصبحت الثقافة الرقمية جزءًا من المنهج الجامعي الأساسي، وليس مجرد تخصص نخبوي، مما عزز قاعدة المواهب الوطنية.