الأردن يرسخ مكانته كمهد للمسيحية: المغطس ومواقع الحج في قلب الاهتمام العالمي
عندما يتحدث ميشيل نزال, رئيس لجنة السياحة والتراث في مجلس الأعيان الأردني, عن الجغرافيا الدينية، فهو لا يكتفي بإعادة سرد التاريخ، بل يعيد رسم خريطة العالم الروحي. ففي تصريح حديث أثار جدلاً إيجابياً واسعاً، أكد نزال أن "جميع المواقع المرتبطة ببدايات الديانة المسيحية تقع في شرق نهر الأردن". هذه ليست مجرد جملة إنشائية، بل هي إعلان استراتيجي يهدف إلى نقل المملكة من كونها محطة سياحية عابرة إلى مركز عالمي للحج المسيحي.
الحدث الأبرز هنا هو التحول في الخطاب الرسمي والبرلماني نحو مفهوم "مسار الحج المسيحي المتكامل" بدلاً من التركيز على موقع واحد. فبينما كان المغطس (بيت عنيا عبر الأردن) يتصدر العناوين كمكان لعمادة السيد المسيح، أصبح الآن جزءاً من شبكة مترابطة تشمل مادبا، جبل نيبو، مكاور، والسلط. هذا الربط الجغرافي والروحي ليس وليد اللحظة، بل جاء ثمرة سنوات من العمل الدبلوماسي والسياحي، توجت باعتراف رسمي من الفاتيكان بخمسة مواقع أردنية محددة كأماكن مقدسة للحج.
من موقع واحد إلى مسار روحي متكامل
هنا يكمن الفرق بين التسويق التقليدي والرؤية الاستراتيجية الجديدة. يقول نزال بوضوح: "يجب أن ننتقل من مفهوم 'زيارة المغطس' إلى مفهوم 'مسار الحج المسيحي في الأردن'". الفكرة بسيطة لكنها عميقة التأثير: الحجاج لن يأتوا فقط ليروا المكان الذي تعمّد فيه يسوع المسيح على يد يوحنا المعمدان قبل ألفي عام، بل سيعيشون تجربة روحية تمتد لتشمل أماكن أخرى تحمل ثقلًا تاريخيًا مماثلاً.
التفاصيل تكشف عن طموح كبير. فالمسار المقترح لا يقتصر على المواقع الدينية البحتة، بل يدمجها مع كنوز الأردن السياحية العالمية مثل البتراء ووادي رم. تخيل حاجاً يبدأ رحلته الروحية في وادي الخرار قرب البحر الميت، ثم يتوجه لتأمل المناظر الخلابة من جبل نيبو حيث يرى النبي موسى الأرض المقدسة، قبل أن يختتم زيارته باستكشاف الآثار النبطية في البتراء. هذا الدمج بين القداسة والمغامرة هو ما يجعل العرض الأردني فريداً في سوق السياحة الدينية العالمي.
- المغطس (بيت عنيا): الموقع الرئيسي للعمادة، يقع على بعد 9 كم شمال البحر الميت.
- جبل نيبو: يرتبط بموت النبي موسى ورؤيته للأرض المقدسة.
- مكاور: قلعة هيرودس حيث سجن وقُطع رأس يوحنا المعمدان.
- مادبا وجبل القلعة: تضم خرائط فسيفسائية تاريخية تشير إلى الأماكن المقدسة.
- تل مار إلياس وكنيسة سيدة الجبل: مواقع إضافية معترف بها دولياً ضمن المسار.
الاعتراف الدولي والدبلوماسية الدينية
لا يمكن فصل هذه التطورات المحلية عن السياق الدولي الأوسع. ففي لقاء بارز عقد في يناير 2024، بحث المسؤولون الأردنيون مع الكاردينال بيترو بارولين، أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان ورئيس وزرائها، سبل تعزيز الدعم الكنسي للحج إلى الأردن. النتيجة كانت واضحة وصريحة: اعتراف الفاتيكان بالمواقع الخمسة المذكورة أعلاه كمواقع حج رسمية. هذا الاعتراف ليس رمزياً فحسب؛ إنه يمنح الحجاج الكاثوليك حول العالم سبباً قوياً لاختيار الأردن كوجهة أولى لرحلاتهم الروحية.
ومما زاد الزخم، تدشين كنيسة معمودية المسيح الكاثوليكية اللاتينية في منطقة المغطس في أوائل عام 2025. هذا المشروع لم يكن مجرد إضافة معمارية، بل رسالة سياسية ودينية مفادها أن الأردن يحتضن التنوع ويحمي التراث المشترك. كما قال أحد المسؤولين آنذاك: "السيد المسيح ولد في بيت لحم، لكن المسيحية ولدت هنا في شرق الأردن". عبارة تختصر عقوداً من النقاشات التاريخية وتضع النقاط على الحروف لصالح السردية الأردنية.
أرقام تتحدث: هل يستعد الأردن لاستقبال ملايين الحجاج؟
قد يبدو الحديث عن "مركز عالمي" طموحاً مبالغاً فيه للبعض، لكن الأرقام تقول شيئاً آخر. في عام 2023 وحده، استقبل موقع المغطس حوالي 213 ألف زائر. قد لا يبدو هذا الرقم ضخماً مقارنة بأعداد الحجاج في روما أو القدس، لكنه يمثل نقطة انطلاق قوية لسوق متخصص ونوعي. الحجاج المسيحيون، وتحديداً الكاثوليك والأرثوذكس، معروفون بإنفاقهم العالي واهتمامهم بالتجارب الثقافية العميقة، وليس فقط بالمشاهدة السريعة.
وزارة السياحة والآثار وهيئة تنشيط السياحة يعملان بشكل محموم لتحسين البنية التحتية. التقارير تشير إلى عمليات ترميم مستمرة وحفريات أثرية في تل الخرار ووادي الخرار، بهدف كشف طبقات جديدة من التاريخ البيزنطي والإسلامي المبكر الذي يتعايش هناك. الهدف واضح: تجهيز مرافق قادرة على استيعاب تدفق متزايد من الزوار دون الإضرار بالطابع الروحاني للموقع.
لماذا يهم هذا الأمر الآن؟
في عالم مليء بالصراعات والانقسامات، يقدم الأردن نموذجاً فريداً للتعايش. حقيقة أن مواقع المسيحية الأولى تقع في بلد مسلم ذي أغلبية ساحقة، وتحت حماية ملكية هاشمية، تمنح هذه المواقع بُعداً إضافياً من السلام والتسامح. العين نزال شدد على أن هذه المواقع ليست مجرد أحجار قديمة، بل هي شواهد حية على حوار الحضارات. بالنسبة للحاج الغربي أو العربي، زيارة الأردن تعني رؤية كيف يمكن للإيمانين أن يتعايشا في نفس الجغرافيا، بل وفي نفس القصص التأسيسية.
المستقبل يحمل تحديات وفرصاً. التحدي الأكبر يكمن في كيفية تسويق هذا "المسار المتكامل" بفعالية أكبر خارج دائرة المهتمين بالشؤون الدينية التقليدية. الفرصة تكمن في ربط هذه التجربة الروحية بتجارب سياحية مغامرة وثقافية تجعل الرحلة جذابة حتى لمن لا يبحث عن الدين حصراً. إذا نجحت الأردن في تحويل "الحج" إلى "تجربة حياة"، فإنها ستفتح أبواباً اقتصادية وثقوية واسعة.
أسئلة شائعة حول الحج المسيحي في الأردن
ما هي المواقع الخمسة المعترف بها رسمياً من قبل الفاتيكان للحج المسيحي في الأردن؟
تعترف الفاتيكان بخمسة مواقع أردنية أساسية ضمن مسار الحج المسيحي، وهي: موقع المغطس (بيت عنيا عبر الأردن)، جبل نيبو، قلعة مكاور، كنيسة سيدة الجبل، وتل مار إلياس. تم تأكيد هذا الاعتراف خلال اجتماعات دبلوماسية رفيعة المستوى بين مسؤولين أردنيين وأمين سر دولة الفاتيكان، مما يمنح هذه المواقع مكانة دينية عالمية رسمية للحجاج الكاثوليك.
كم عدد الزوار الذين استقبلهم موقع المغطس مؤخراً وماذا يعني ذلك للاقتصاد السياحي؟
استقبل موقع المغطس حوالي 213,000 زائر خلال العام 2023. رغم أن العدد قد يبدو محدوداً مقارنة بالمواقع الكبرى الأخرى، إلا أنه يمثل شريحة عالية الإنفاق من السياح النوعيين. النمو المستمر في هذا القطاع يشير إلى إمكانية مضاعفة الأعداد في السنوات القادمة مع تحسين البنية التحتية وتطوير برامج "مسار الحج المتكامل" التي تربط المغطس بمواقع سياحية أخرى كالبتراء والبحر الميت.
لماذا تصر السلطات الأردنية على اعتبار شرق نهر الأردن مهداً للمسيحية وليس غربها؟
يستند هذا الطرح إلى أدلة إنجيلية، كتابات مؤرخين بيزنطيين، وحفريات أثرية حديثة تؤكد أن حدث عمادة السيد المسيح على يد يوحنا المعمدان وقع في الضفة الشرقية لنهر الأردن (بيت عنيا عبر الأردن). بينما تتركز أحداث الصلب والقيامة في القدس (غرب النهر)، فإن بداية الرسالة والدعوة المسيحية انطلقت من الأراضي الأردنية الحالية، وهو ما تؤكده أيضاً اكتشافات كنائس بيزنطية مبكرة في المنطقة.
ما دور لجنة السياحة في مجلس الأعيان في تطوير هذا القطاع؟
ترأس اللجنة العين ميشيل نزال، وتعمل على صياغة سياسات تشريعية وتنفيذية لدعم الحج المسيحي. دورها يشمل الضغط من أجل تحسين الخدمات، ربط المواقع ببعضها ضمن مسارات سياحية واضحة، وتعزيز التعاون الدولي مع الفاتيكان والكنائس العالمية. اللجنة تنتقد باستمرار النهج الفردي في التسويق وتدعو لرؤية شاملة تجعل الأردن وجهة واحدة متكاملة للسياحة الدينية والثقافية.