الأردن تحت النار: ثمن التحالف مع واشنطن في حرب إيران

الأردن تحت النار: ثمن التحالف مع واشنطن في حرب إيران

تخيّل أنك تعيش في بلدٍ يرفض أن يكون جزءًا من الحرب، لكن السماء فوقك لا تلتزم بهذا الرفض. هذا هو الواقع المرير الذي يواجهه الأردن اليوم. منذ فبراير 2026، ومع اشتعال فتيل الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، تحولت المملكة إلى ساحة خلفية غير مرغوبة، تتلقى شظايا الصواريخ الإيرانية التي تعترضها الدفاعات الجوية أثناء توجهها نحو أهداف إسرائيلية أو أمريكية.

المفارقة قاسية. الأردن، بقيادة الملك عبد الله الثاني, دفع فاتورة دم باهظة بسبب تحالفه الوثيق مع واشنطن. عشرات المواطنين أصيبوا بشظايا متطايرة، بينما كانت القواعد الأمريكية على أراضيه هدفًا مباشرًا لطهران. الأمر لم يعد مجرد "أضرار جانبية"؛ بل أصبح استهدافًا مقصودًا وممنهجًا، يضع عمّان في مأزق وجودي بين الحفاظ على سيادتها وضمان بقائها الاقتصادي والأمني.

الأزرق: نقطة الاشتعال الجديدة

إذا أردت فهم حجم الخطر، انظر إلى بلدة الأزرق. تقع هذه البلدة شرق العاصمة عمّان بنحو 50 ميلًا، وتضم قاعدة موفق السلطي الجوية. هذه ليست مجرد منشأة عسكرية عادية؛ إنها محور لوجستي رئيسي للطائرات الأمريكية (C-17) ونحو 60 طائرة قتالية. بعد انهيار وقف إطلاق النار في 8 يوليو 2026، بدأت الأمور تنحدر بسرعة مخيفة.

وفقًا لتقرير صحيفة Los Angeles Times الصادر في 28 يوليو، تعرضت الأراضي الأردنية لـ "تسع مرات" من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية. الأرقام صادمة: منذ ذلك التاريخ، أطلقت إيران 47 صاروخًا باليستيًا و8 طائرات مسيّرة باتجاه الأردن. معظم هذه الذخائر كانت تصوب نحو الأزرق. لماذا؟ لأن ضرب القوات الأمريكية هناك هو رسالة سياسية واضحة: "لن نسمح لواشنطن باستخدام أراضي حلفائنا كمنصات انطلاق دون عقاب".

والنتيجة؟ دماء أمريكية وسقوط ضحايا. في 18 يوليو، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) مقتل جنديين أمريكيين وفقدان ثالث. ثم جاء الهجوم "المفاجئ" في 28 يوليو، حيث أطلق الحرس الثوري الإيراني صواريخ باليستية مباشرة على القاعدة نفسها، في محاولة، كما يرى معهد دراسة الحرب (ISW)، لتقويض الإرادة الأمريكية وإظهار استعداد طهران لتحمل مخاطر صراع شامل من أجل السيطرة على مضيق هرمز.

حسابات الخسارة والمكسب: لماذا يتحمل الأردن هذا العبء؟

قد تسأل: لماذا لا يغلق الأردن أبوابه أمام الأمريكيين؟ الإجابة تكمن في الميزانية والجيوب. هنا يأتي دور David Schenker, الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى. يقول بوضوح إن "الأردن يوفر عمقًا استراتيجيًا كبيرًا" للحملة الأمريكية. لكن هذا العمق له ثمن.

الاتفاقية الدفاعية الموقعة عام 2021 تمنح القوات الأمريكية حق الوصول إلى 12 منشأة عسكرية داخل المملكة. مقابل هذا "الامتياز"، تحصل عمان على دعم مالي حيوي. يقدر شنكر أن ما لا يقل عن 1.47 مليار دولار سنويًا—أي حوالي 8% من ميزانية المملكة—تأتي مباشرة من المنح الأمريكية. أضف إلى ذلك وجود نحو 4000 جندي أمريكي في الأردن ضمن قوة إقليمية قوامها 50,000 جندي في المنطقة. بالنسبة لأردن يعاني اقتصاديًا، قطع هذا الشريان يعني أزمة قد تكون أسوأ من خطر الصواريخ.

ومع ذلك، فإن المخاطر ليست اقتصادية فقط. يشير توماس جونو من معهد تشاتام هاوس إلى حقيقة مرّة: "البنية الأمنية للأردن مبنية على أساس علاقات طويلة الأمد مع الولايات المتحدة... لطالما اعتقد قادة البلاد أن فوائد التحالف تفوق المخاطر". لكن هل هذا الاعتقاد لا يزال صحيحًا عندما يسقط الصاروخ على بيت المواطن العادي؟

مستحيل الحياد: بين مطرقة إيران وسندان واشنطن

مستحيل الحياد: بين مطرقة إيران وسندان واشنطن

الحقيقة التي يجب أن نستوعبها هي أن "الحياد" في هذه الحرب أصبح رفاهية لا يستطيع الأردن تحمل تكلفتها. تقرير مركز Jornews وصف الوضع بأن القيادة الأردنية تمشي على "حبل مشدود". من جهة، تحتاج إلى الحماية الأمريكية لمنع إيران من زعزعة استقرار جيرانها وتهديد حدودها الشمالية والشرقية. ومن جهة أخرى، تخشى من الانجرار الكامل إلى "مستنقع حرب إقليمية شاملة" قد تدمر الداخل الأردني الهش أصلًا.

التحليلات تشير إلى أن خيارات الملك عبد الله الثاني محدودة جدًا. فبينما تواصل الضربات الإيرانية تصاعدها (استهدفت الأصول العسكرية لأربعة أيام متتالية حتى 21 يوليو)، يبقى الضغط الداخلي والخارجي هائلًا. قناة الحرة ذكرت أنه رغم النقاش السياسي المحتدم حول مستقبل الاستراتيجية الأمنية، لا توجد مؤشرات رسمية على إنهاء الاتفاقية الدفاعية. الأرجح هو "مراجعة آليات التعاون" لتقليل المخاطر، مع الاحتفاظ بالمزايا.

إذن، ما الذي يحدث فعليًا؟ إيران تستخدم الأردن كنقطة ضغط لإرسال رسائل إلى واشنطن. كل صاروخ يسقط قرب قاعدة أمريكية في الأردن هو تذكير للعالم بأن الحرب ليست محصورة في الخليج أو إسرائيل، بل تمتد لتطال قلب الاستقرار الإقليمي. الأردن يدفع الثمن نيابة عن الجميع، لأنه ببساطة لا يستطيع قول "لا" للقوة التي تدفع رواتب جيشه وتدعم خزينة دولته.

أسئلة شائعة حول تورط الأردن في الحرب

أسئلة شائعة حول تورط الأردن في الحرب

لماذا تستهدف إيران الأردن إذا كان حياديًا رسميًا؟

رغم عدم مشاركته القتالية المباشرة، يستضيف الأردن قوات أمريكية بموجب اتفاقية دفاعية تسمح بالوصول إلى 12 منشأة عسكرية. تعتبر إيران هذه القواعد، خاصة قاعدة موفق السلطي في الأزرق، منصات انطلاق للهجمات الأمريكية عليها، مما يجعلها أهدافًا مشروعة في نظر طهران للضغط على واشنطن وتقويض قدراتها العملياتية.

ما حجم الضرر البشري والاقتصادي الذي لحق بالأردن؟

أصاب عشرات المدنيين بشظايا الصواريخ المعترضة. عسكريًا، قُتل ثلاثة جنود أمريكيين على الأقل وفُقد واحد خلال موجة الهجمات المكثفة منذ يوليو 2026. اقتصاديًا، يعتمد الأردن على منح أمريكية بقيمة 1.47 مليار دولار سنويًا (8% من الميزانية)، وأي تهديد لهذا الدعم بسبب التوترات قد يفاقم الأزمة الاقتصادية المحلية.

هل سينهي الأردن تحالفه مع الولايات المتحدة نتيجة لهذه الهجمات؟

حتى الآن، لا توجد مؤشرات رسمية على إنهاء الاتفاقية الدفاعية. الخبراء مثل توماس جونو يشيرون إلى أن البنية الأمنية الأردنية تعتمد كليًا على واشنطن. المرجح هو إجراء مراجعات تقنية وآليات تعاون جديدة لتقليل المخاطر المباشرة على السكان والقواعد، وليس القطيعة الكاملة التي قد تترك الأردن مكشوفًا أمام التهديدات الإقليمية.

ما الدور الذي تلعبه قاعدة "موفق السلطي" في هذه المعادلة؟

تعتبر هذه القاعدة المحور اللوجستي الرئيسي لطائرات النقل C-17 والطائرات القتالية الأمريكية في المنطقة. وقوعها في بلدة الأزرق جعلها الهدف الأول للصواريخ الإيرانية. ضرب هذه القاعدة يعطل سلسلة الإمداد الأمريكية ويوجه ضربة رمزية وعملية لاستراتيجية التموضع الغربي التي تعتمد على العمق الاستراتيجي الأردني.