الأردن يختار «الحياد الحذر»: لماذا لا تصطدم عمّان بطهران؟

الأردن يختار «الحياد الحذر»: لماذا لا تصطدم عمّان بطهران؟

في مشهد إقليمي يتسم بالتوتر المتصاعد، اختارت المملكة الأردنية الهاشمية مساراً دقيقاً بين حبلين مشدودين: رفض قاطع للتدخلات الإيرانية، وحرص شديد على عدم الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة. هذا التوازن الهش، الذي وصفه محللون بأنه "إدارة للأزمات" وليس مجرد دبلوماسية تقليدية، يضع عمّان في قلب معادلة جيوسياسية معقدة حيث تصبح السيادة الجوية خطاً أحمر لا يقبل المساومة.

التحليل المنشور في الجزيرة نت بتاريخ 8 تموز/يوليو 2026 يكشف أن هذا الموقف ليس وليد اللحظة، بل هو ثمرة عقود من الحسابات الاستراتيجية التي تربط الأردن بشركائه الخليجيين، وتراعي في الوقت نفسه مخاطر أن تتحول المملكة إلى ساحة معركة بين إيران وإسرائيل.

جذور التوتر: من دعم العراق إلى هاجس المسيّرات

لفهم تعقيدات العلاقة الحالية، يجب العودة إلى الوراء قليلاً. قبل عام 1979، كانت العلاقات بين عمّان وطهران تحمل طابعاً من التعاون المحدود والتوازن. لكن الثورة الإسلامية غيّرت كل شيء. تحول النظام الإيراني من ملكي إلى ديني ثوري جعل الملك عبدالله الثاني وسابقوه ينظرون إلى طهران بعين الريبة، خاصة مع خشية الأردن من تصدير "الثورة" إلى دول الجوار.

الدعم الأردني للعراق خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) لم يكن مجرد وقوف مع جار عربي، بل كان محاولة لصد النفوذ الإيراني المتنامي عبر سوريا. الدراسة الصادرة عن موقع "نون بوست" تشير بوضوح إلى أن الأردن رأى في ذلك الخطر المزدوج: إسرائيل من الغرب، وإيران وحلفاؤها من الشرق والشمال. هذا الإرث التاريخي رسخ فكرة أن إيران ليست مجرد جارة، بل مصدر تهديد استراتيجي محتمل للأمن القومي.

المجال الجوي: الخط الأحمر الجديد

انتقلت المخاوف من النطاق الأيديولوجي والسياسي إلى النطاق العسكري المباشر مؤخراً. عندما اعترضت الدفاعات الجوية الأردنية صواريخ ومسيرات إيرانية متجهة نحو إسرائيل في نيسان/أبريل 2024، ثم مرة أخرى في 2 تشرين الأول/أكتوبر 2024، كان الرسالة واضحة: الأردن لن يكون ممراً مجانياً للصواريخ.

أيمن الصفدي, نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية, وضع النقاط على الحروف في مقابلة تلفزيونية أمريكية في 7 آب/أغسطس 2024 قائلاً: "رسالة الأردن واضحة للإيرانيين والإسرائيليين... لن نكون ساحة معركة لأحد ولن نسمح بانتهاك مجالنا الجوي". هذه الكلمات ليست شعارات، بل تعكس قراراً سيادياً بحماية المواطنين من شظايا حرب لا تخصهم.

حقائق أساسية حول الموقف الأردني

  • اعتراض الصواريخ: حدث مرتين على الأقل في عام 2024 (نيسان وأكتوبر) لحماية المدنيين.
  • البيان العسكري: في 29 أكتوبر 2024، أكد الجيش منع عبور الطائرات العسكرية لأي طرف متحارب.
  • الدبلوماسية البروتوكولية: مشاركة ممثل أردني في تنصيب الرئيس الإيراني مسعود بزكشيان تعني أن قنوات الاتصال لم تنقطع تماماً.
  • التنسيق الخليجي: أي تحرك أردني تجاه طهران يتم بالتنسيق الوثيق مع دول مجلس التعاون.
هل يمكن أن يصبح الأردن وسيطاً؟

هل يمكن أن يصبح الأردن وسيطاً؟

على الرغم من التشدد الأمني، هناك نافذة دبلوماسية مفتوحة. يرى الأكاديميون، مثل الدكتور الدعجة، أن تواصل الأردن المحدود مع إيران يندرج ضمن استراتيجية "تنويع العلاقات" وعدم حصرها في التحالفات التقليدية فقط. الهدف هنا مزدوج: أولاً، تجنب العزلة الإقليمية؛ وثانياً، تعزيز دور الأردن كوسيط قادر على نقل الرسائل بين الأطراف المتنازعة.

لكن هذا الوسيط مشروط. كما أكد محمد المومني, وزير الاتصال الحكومي, فإن "موقف الأردن واضح، ولن يكون ساحة للصراعات لأي طرف". يعني هذا أن الوساطة ممكنة، لكنها ترفض أن تكون على حساب السيادة أو الأمن الداخلي. الفصائل المسلحة المحسوبة على إيران في جنوب سوريا تبقى نقطة قلق دائمة، تجعل أي تقارب مشروطاً بضمانات أمنية صارمة.

المستقبل: حياد نشط أم انجرار إجباري؟

المستقبل: حياد نشط أم انجرار إجباري؟

ما الذي ينتظر المنطقة؟ التحليلات تشير إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد استمرار السياسة الأردنية القائمة على "الحياد النشط". الأردن يريد علاقات طيبة مع الجميع، بشرط الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. لكن إذا فرضت التطورات الميدانية واقعاً جديداً – مثلاً تصاعد عمليات المسيّرات أو تغييرات في توازن القوى في سوريا – فقد تجد عمّان نفسها مضطرة لإعادة تقييم خياراتها.

في النهاية، يبقى السؤال المطروح: هل تستطيع الدبلوماسية الأردنية الصمود أمام ضغط الأحداث العسكرية المتسارعة؟ يبدو أن المملكة تراهن على أن الحفاظ على خطوط اتصال باردة مع طهران أفضل بكثير من إغلاق الأبواب بالكامل، طالما أن الأجواء الأردنية تظل مغلقة أمام الطائرات المقاتلة والصواريخ العابرة.

أسئلة شائعة

لماذا يعترض الأردن الصواريخ الإيرانية المتجهة لإسرائيل؟

يفعل الأردن ذلك لحماية سيادته الجوية وأمن مواطنيه. وفقاً لتصريحات الوزير أيمن الصفدي، فإن مرور المقذوفات فوق الأراضي الأردنية يعرض السكان للخطر ويحوّل المملكة إلى ساحة معركة غير مرغوب فيها. الاعتراض ليس دعماً لإسرائيل بالضرورة، بل هو إجراء دفاعي لضمان عدم سقوط شظايا أو بقايا صواريخ داخل الحدود.

هل يعني حضور الأردن حفل تنصيب الرئيس الإيراني تطبيعاً للعلاقات؟

لا، لا يعني ذلك تطبيعاً كاملاً. المشاركة البروتوكولية تهدف إلى إبقاء قنوات الاتصال الرسمية مفتوحة لتجنب القطيعة الدائمة. الأردن يفرّق بين التواصل الدبلوماسي اللازم لإدارة الأزمات وبين القبول بالسياسات الإيرانية التوسعية. هذا الحضور يعكس رغبة في "حسن الجوار" المشروط باحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

ما دور التنسيق مع دول الخليج في السياسة الأردنية تجاه إيران؟

التنسيق مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية عنصر أساسي في الحسابات الأردنية. الأردن لا يتخذ خطوات منفردة قد تعارض المواقف الخليجية العامة. هذا التنسيق يوفر دعماً سياسياً واقتصادياً للمملكة، ويجعل موقفها أكثر قوة في وجه الضغوط الإيرانية، مما يفسر تشدد الخطاب السياسي الأردني أحياناً رغم الرغبة في تجنب المواجهة العسكرية.

كيف أثرت أحداث عام 2024 على العلاقة بين عمّان وطهران؟

أحداث نيسان وأكتوبر 2024، المتمثلة في اعتراض الصواريخ والمسيرات، رفعت منسوب التوتر الأمني بشكل كبير. بدلاً من التقارب، زادت هذه الأحداث من حساسية الأردن تجاه التهديدات القادمة من الشمال والشرق. أدت إلى إصدار بيانات عسكرية صارمة تمنع استخدام المجال الجوي الأردني لأغراض قتالية، مما جمّد أي فرص سريعة لتحسين العلاقات الثنائية في المدى القصير.