الأردن بين نيران طهران وغموض واشنطن: إعادة ضبط أم قطيعة؟

الأردن بين نيران طهران وغموض واشنطن: إعادة ضبط أم قطيعة؟

تجد المملكة الأردنية الهاشمية نفسها اليوم في موقف لا تحسد عليه، عالقة تماماً بين فكي كماشة. فمن جهة، تتعرض لهجمات صاروخية ومسيّرة إيرانية متزايدة الحدة، ومن جهة أخرى، تواجه غموضاً خانقاً بشأن المسار النهائي للحرب الأمريكية-الإيرانية والسياسة التي ستتبعها الولايات المتحدة. هذا ليس مجرد خبر عابر؛ إنه واقع معيشي يهدد استقرار المملكة اقتصادياً وأمنياً.

الهجمات الأخيرة لم تعد تقتصر على القواعد العسكرية الأمريكية فحسب، بل امتدت لتطال منشآت استراتيجية حيوية داخل الأراضي الأردنية. ضربات استهدفت مواقع محددة تسببت في خسائر مادية جسيمة، وفقاً لمعلومات أمريكية أكدتها مصادر رسمية أردنية. والمؤرق هنا هو أن هذه الهجمات تُعد الأسوأ من نوعها، نظراً للمسافة الشاسعة بين مواقع الإطلاق الإيرانية والأراضي الأردنية، ما يعكس تطوراً خطيراً في التكنولوجيا الصاروخية لطهران.

تحول إيراني: الأردن كساحة انتقام رئيسية

في الأسابيع التي سبقت تصاعد الأحداث في يوليو 2026، لاحظ المراقبون تحولاً في العقيدة القتالية الإيرانية. الحرس الثوري الإيراني بدأ ينظر إلى عمّان كساحة عمليات أساسية للانتقام، متجاوزاً مرحلة استهداف المواقع الأمريكية البحتة. لماذا الأردن؟ ببساطة، لأن توجيه الضربات لبلد مثل الأردن قد يكون أقل كلفة عسكرية لإيران مقارنة باستهداف حقول الغاز العملاقة في دول الخليج الكبرى، رغم أنه يرفع من مخاطر توسيع رقعة الحرب لتشمل دولاً جديدة غير مشاركة مباشرة في القتال.

وتشكلت نقطة التحول الخطيرة عندما أدت هجمات إيرانية على مواقع عسكرية أمريكية داخل الأردن إلى مقتل جنود أمريكيين. هذا التصعيد يأتي بعد فشل الهجمات السابقة في إلحاق أضرار كافية بالمنشآت الأمريكية، مما دفع طهران لتوسيع نطاق عملياتها ضد القواعد الأمريكية والقوات الحليفة في المنطقة بشكل عام.

الشراكة الأمريكية: حماية أم عبء؟

لفهم تعقيد الموقف، يجب النظر إلى الاتفاقية الدفاعية الموقعة بين الأردن وواشنطن عام 2021. هذه الاتفاقية تسمح للقوات الأمريكية باستخدام منشآت أردنية للتدريب والدعم اللوجستي والتمركز. تقرير صادر عن خدمة أبحاث الكونغرس مطلع 2026 قدر عدد العسكريين الأمريكيين في المملكة بنحو 4,000 عسكري.

أبرز هذه المنشآت هي قاعدة موفق السلطي الجوية في مدينة الأزرق. صور الأقمار الصناعية بتاريخ 2 فبراير 2026 أظهرت وجود طائرات F-15E وA-10 Thunderbolt وC-130 Hercules. هناك أيضاً موقع "تاور 22" قرب الحدود مع سوريا والعراق، حيث قُتل ثلاثة جنود أمريكيين في هجوم بمسيّرة في يناير 2024. تستخدم هذه المنشآت للمراقبة والاستطلاع ودعم العمليات في سوريا والعراق.

المفارقة المريرة هنا هي أن الجيش الأمريكي نقل جزءاً من قواته من دول خليجية إلى الأردن وإسرائيل قبل الحرب وبدايتها، معتبراً إياها أكثر أمناً. لكن استهداف مواقع داخل الأردن أثبت أن إعادة التموضع هذه لم تعزل المملكة عن تداعيات الحرب، بل جعلتها هدفاً مباشراً.

خيارات صعبة: بين الشارع والدبلوماسية

خيارات صعبة: بين الشارع والدبلوماسية

عمّان تراقب عن كثب التحركات الدبلوماسية لوقف إطلاق النار، لكنها ليست متفائلة. إيران تصر على السيطرة على مضيق هرمز، مما يضع ضغطاً هائلاً على الدول العربية المنتجة للنفط ويزيد احتمالات اتساع المواجهة. وفي الداخل الأردني، وقع مئات الشخصيات السياسية والنقابية وثيقة تطالب بإلغاء اتفاقية التعاون الدفاعي أو تقييدها وإخراج القوات الأجنبية.

لكن ردود الفعل الرسمية تختلف. قال أيمن الصفدي, وزير الخارجية الأردني إن تبرير إيران لاستهداف الأردن بوجود قواعد أمريكية "باطل"، مشدداً على أن الأراضي والمنشآت خاضعة للسيادة الأردنية وأن القوات تعمل بموجب اتفاقية طويلة الأمد. وأضاف عمر عياصرة, عضو مجلس الأعيان أن الوجود الأمريكي يندرج ضمن تعاون أمني وعسكري معلن لمواجهة الإرهاب وتنظيم داعش، وليس مجرد تمركز عسكري.

الاقتصاد كعامل حاسم في المعادلة

لا يمكن فصل القرار السياسي عن الواقع الاقتصادي. يعتمد الأردن بشكل كبير على المساعدات الأمريكية التي تتراوح سنوياً بين 1.5 مليار دولار و2.1 مليار دولار. بالإضافة إلى ذلك، وقعت واشنطن وعمّان اتفاقية مساعدات تمتد لأربع سنوات بقيمة نحو 354.6 مليون دولار سنوياً لدعم التجارة وتعزيز قدرات المؤسسات الحكومية.

يرى حسن أبو هنية, الخبير الأمني والاستراتيجي أن حجم المساعدات يحد من الخيارات المتاحة أمام عمّان. إنهاء الشراكة قرار بالغ الصعوبة. وحذر جواد العناني, النائب السابق لرئيس الوزراء من الاستجابة لدعوات قطع العلاقات تحت ضغط الشارع، مؤكداً أن الأردن يتبع "براغماتية سياسية" للحفاظ على علاقاته مع واشنطن وأوروبا ودول الخليج، لأن التخلي عنها سيفرض كلفة اقتصادية واجتماعية لا تستطيع الدولة تحملها.

المسار المرجح: إعادة ضبط وليس قطيعة

المسار المرجح: إعادة ضبط وليس قطيعة

بحسب التحليلات المنشورة في أغسطس 2026، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو "إعادة ضبط" الشراكة الأمنية وليس إنهائها. يرى عامر فاخوري, أستاذ القانون الدولي أن الحل يكمن في مراجعة انتشار القوات الأمريكية وطبيعة الأنشطة العسكرية المنفذة من الأراضي الأردنية. الهدف هو تقليل احتمال تعرض المملكة لهجمات إيرانية مع الاحتفاظ بالمزايا الأمنية والاقتصادية للتحالف.

دراسة لمركز الجزيرة للدراسات تضع الأردن داخل أربع دوائر أمنية متداخلة: المواجهة شرقاً، والضفة الغربية وغرباً، وسوريا شمالاً، والبحر الأحمر جنوباً. هذا التعقيد الجغرافي والسياسي يجعل من المستحيل على الأردن الانعزال. ومع ذلك، تشير تقارير يورونيوز إلى أن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية اعترضت معظم الصواريخ المتجهة للأردن، وهو عامل يساعد في تفسير تمسك عمّان بالشراكة وضبط النفس بدلاً من الرد العسكري المنفرد الذي قد يجلب المزيد من الويلات.

أسئلة شائعة حول الأزمة الأردنية الإيرانية

ما هي أبرز المنشآت الأمريكية المستهدفة في الأردن؟

تشمل القائمة قاعدة موفق السلطي الجوية في الأزرق، والتي تضم طائرات مقاتلة وناقلة ثقيلة. كما يُعد موقع "تاور 22" قرب الحدود السورية العراقية نقطة ساخنة، حيث شهد مقتل جنود أمريكيين سابقاً. هذه المنشآت تستخدم للمراقبة وجمع المعلومات الاستخباراتية ودعم العمليات الإقليمية.

كيف تؤثر المساعدات الأمريكية على قرار الأردن بقطع العلاقات؟

المساعدات السنوية التي تتراوح بين 1.5 و2.1 مليار دولار تشكل شريان حياة للاقتصاد الأردني المثقل بالديون. إضافة إلى دعم تجاري واستثماري بقيمة 354.6 مليون دولار سنوياً، تجعل هذه الاعتمادات المالية إنهاء الشراكة العسكرية قراراً مكلفاً جداً. الخبراء يحذرون من أن القطيعة قد تؤدي إلى أزمة سيولة نقدية وتراجع في الخدمات العامة.

هل سينهي الأردن الاتفاقية الدفاعية مع أمريكا قريباً؟

التوقعات تشير إلى "إعادة ضبط" للشراكة وليس إنهاؤها. يعني هذا مراجعة طبيعة الانتشار العسكري والأنشطة المنفذة من الأراضي الأردنية لتقليل المخاطر، مع الحفاظ على التعاون الأمني والاقتصادي. لا توجد مؤشرات رسمية على توجه عمّان لقطيعة جذرية، خاصة مع استمرار الحاجة للدعم الأمريكي في مواجهة التحديات الإقليمية.

لماذا تختار إيران استهداف الأردن بدلاً من دول الخليج؟

قد يكون استهداف الأردن أقل كلفة عسكرية مباشرة لإيران مقارنة بمواجهة دفاعات جوية متكاملة وقوية في دول الخليج الكبرى ذات الحقول النفطية الحيوية. ومع ذلك، هذا الخيار يحمل مخاطرة عالية بتوسيع الحرب. إيران تسعى لضرب المصالح الأمريكية عبر أطراف وسيطة أو حلفاء أقليين لتجنب مواجهة شاملة مع الرياض أو أبوظبي في المرحلة الحالية.