10 تريليونات دينار: العراق يفتح باب التسويات مع الفاسدين وسط جدل واسع

10 تريليونات دينار: العراق يفتح باب التسويات مع الفاسدين وسط جدل واسع

في خطوة أثارت زوبعة من الجدل القانوني والسياسي، أعلن مجلس القضاء الأعلى في العراق عن مسار جديد للتعامل مع ملفات الفساد، يقوم على مبدأ "التسوية المالية" مقابل استرداد الأموال المنهوبة. الخبر الذي نشرته "سكاي نيوز عربية" في 20 يوليو 2026 كشف أن هذه الآلية قد تشمل تخفيف العقوبات أو تنظيم الإجراءات القانونية بحق المتهمين الذين يعيدون أموالهم طوعاً إلى خزينة الدولة.

المفارقة هنا؟ الأرقام ضخمة بشكل مثير. مصادر حكومية قدرت قيمة هذه التسويات الأولية بنحو **10 تريليونات دينار عراقي**، وهو مبلغ يكفي، حسب التقديرات، لحل أزمة الرواتب المتفاقمة لأكثر من خمسة أشهر. لكن السؤال المحوري الذي يشق الشارع العراقي: هل نحن أمام جهد حقيقي لاسترداد حقوق المواطنين، أم أننا نتجه نحو صفقة تهدئة تتيح لـ"حيتان الفساد" الخروج بأقل الخسائر؟

خلفيات "صولة الفجر": بين الملاحقة والتسوية

ليست هذه أول مرة يتحرك فيها القضاء العراقي ضد الفساد، لكن ما يميز المرحلة الحالية هو الجمع بين حملة أمنية وقضائية واسعة النطاق عُرفت باسم "صولة الفجربغداد" وبين نقاش مفتوح حول إمكانية التسوية. في بيان صدر يوم 1 يوليو 2026، أكدت هيئة النزاهة استمرارها في ملاحقة كبار الفاسدين، مما أثار تساؤلات حول التناقض الظاهري بين الوعد بالملاحقة الصارمة وإمكانية التسوية اللاحقة.

خلال اجتماع حضره رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، شدد قادة قوى الإطار التنسيقي على مواصلة الحرب على الفساد، لكنهم تركوا الباب مشرّعاً أمام "تسويات قانونية" مشروطة بإعادة الأموال. هذا الموقف الغامض غذى الشكوك لدى الرأي العام بأن الحملة قد تتحول إلى أداة ضغط سياسي أكثر منها إصلاحية.

الجدل القانوني: هل هناك نص يسمح بذلك؟

هنا تكمن العقدة الحقيقية. الخبراء القانونيون مقسمون بعمق. جمال الأسدي، الخبير القانوني، يرى أن الأمر غامض قائلاً: "لا يوجد نص قانوني صريح يجيز ذلك في جرائم الفساد". ويوضح أن قانون العفو العام الحالي يتضمن أحكاماً محددة للمحكومين في جرائم الاختلاس ضمن مدد وشروط معينة، لكنه لا يغطي مفهوم "التسوية المفتوحة" الذي يتحدث عنه البعض.

في المقابل، يرى بلال الفتلاوي أن التسوية ممكنة قانونياً إذا كان الهدف تحقيق منفعة ملموسة للدولة، خاصة عندما تصبح فرص استرجاع الأموال صعبة بسبب تعقيدات إدارية أو جغرافية. أما الدكتور سيف السعدي فيحذر من الخلط بين الأمور، مؤكداً أن أحكام العفو العام لا تنطبق بأثر رجعي على القضايا الجديدة التي انطلقت ضمن "صولة الفجر".

الأرقام والأسماء: قائمة الـ40 شخصية

الأرقام والأسماء: قائمة الـ40 شخصية

ما يجعل هذا الملف ساخناً هو حجم الأموال وعدد الشخصيات المعنية. المصادر تشير إلى إعداد قائمة تضم 40 شخصية بارزة، بينهم نواب سابقون وحاليون، مسؤولون كبار، ورجال أعمال. لم تُكشف الأسماء بعد، لكن مجرد وجود مثل هذه القائمة يبعث برسالة قوية: لا أحد فوق القانون... أو هكذا يُفترض.

  • قيمة التسويات الأولية: 10 تريليونات دينار عراقي.
  • عدد الشخصيات المستهدفة: 40 شخصية (نواب، مسؤولون، رجال أعمال).
  • الشروط الأساسية: استرداد كامل الأموال المسروقة ومصادرة الأملاك ذات المنشأ الفاسد.
  • النتيجة القانونية: تثبت الإدانة ولا تسقط التهمة، مع الحفاظ على الحق العام.

المصدر الحكومي الذي كشف عن هذه الأرقام أكد أن التسوية "لا تعني إسقاط التهم" بل هي آلية لإثبات الإدانة واسترداد المال. لكن كيف يمكن ضمان عدم تحول هذه الآلية إلى قناة خلفية للإفلات من العقاب؟ هذا هو الهاجس الأكبر.

البُعد الاقتصادي: حل أزمة الرواتب أم تغذية للفساد؟

الصورة الاقتصادية للعراق تجعل هذه التسويات تبدو كحل سحري لبعض المسؤولين. البلاد تعتمد شبه كلياً على النفط، وأزمة الرواتب أصبحت كابوساً يؤرق الحكومة والمواطنين على حد سواء. في مايو 2025، اضطرت وزيرة المالية طيف سامي لسحب أموال "الأمانات الضريبية" لتسديد الرواتب، في مؤشر واضح على هشاشة الوضع المالي.

إذا نجحت التسويات في استرداد 10 تريليونات دينار، فسيكون ذلك انتصاراً اقتصادياً كبيراً. لكن المخاطر موجودة أيضاً. إذا اعتاد الفاسدون على فكرة "أعد المال ونعفُ عنك"، فقد يضعف مبدأ الردع، ويشجع آخرون على السرقة متوقعين أن النهاية ستكون صفقة مالية وليس السجن. كما يحذر الإعلامي أبو فراس الحمداني من أن هذه الصفقات قد تبرم "خلف أبواب مغلقة" بعيداً عن رقابة الشعب والقضاء المستقل.

ماذا يعني هذا للمستقبل؟

ماذا يعني هذا للمستقبل؟

المرحلة المقبلة ستشهد صراعاً قانونياً وسياسياً محموماً. القضاء يعمل على بلورة آليات واضحة تضمن ألا تتحول التسويات إلى امتيازات خاصة. بينما تنتظر الجماهير العراقية بفارغ الصبر الكشف عن تفاصيل القائمة الـ40، وتفاصيل كيفية حساب المبالغ المستردة.

السؤال النهائي ليس فقط "كم سيسترد العراق؟" بل "هل ستتحول هذه التجربة إلى نموذج ناجح لاسترداد المال العام، أم ستصبح سابقة خطيرة تضعف هيبة الدولة؟" الإجابة ستتضح خلال الأشهر القادمة، حيث تتقاطع مصالح السياسة والاقتصاد والقانون في واحدة من أهم ملفات العصر الحالي في العراق.

أسئلة شائعة حول تسويات الفساد في العراق

هل تعني التسوية إسقاط التهم عن المدانين بالفساد؟

لا، تؤكد المصادر الحكومية أن التسوية لا تعني إسقاط التهم بل تثبت الإدانة. الهدف الرئيسي هو استرداد الأموال المنهوبة ومصادرة الأملاك المشتراة بها، مع الحفاظ على الحق العام للدولة. التخفيف قد يكون في مدة العقوبة أو نوعها، وليس في إلغاء الجريمة نفسها.

ما هي القيمة التقديرية للأمال المتوقع استردادها عبر هذه التسويات؟

قدّرت مصادر حكومية عراقية في يوليو 2026 قيمة التسويات الأولية بنحو 10 تريليونات دينار عراقي. هذا المبلغ الضخم يمثل فرصة كبيرة لتخفيف الضغط على الموازنة العامة، خاصة فيما يتعلق بأزمة الرواتب التي تعاني منها البلاد منذ فترة طويلة.

من هم الأشخاص المشمولون بقائمة التسويات المحتملة؟

تشير التقارير إلى إعداد قائمة تضم 40 شخصية، تشمل نواباً سابقين وحاليين، ومسؤولين حكوميين، ورجال أعمال. لم تُعلن الأسماء رسمياً بعد، لكن جميع هؤلاء يشتبه في تورطهم في ملفات فساد ضمن حملة "صولة الفجر" الأمنية والقضائية.

هل توجد أساس قانوني واضح لهذه التسويات في التشريع العراقي؟

هذا هو محور الجدل القانوني. بعض الخبراء مثل جمال الأسدي يؤكدون غياب النص الصريح، بينما يرى آخرون أن التسوية ممكنة ضمن شروط صارمة وبعد استنفاد طرق الاسترداد الأخرى. مجلس القضاء الأعلى يسعى حالياً لتكييف هذه الآلية مع الدستور والقوانين الحالية لضمان مشروعيتها.

كيف ترتبط هذه التسويات بأزمة الرواتب في العراق؟

العلاقة مباشرة. بسبب الاعتماد الكبير على النفط وهشاشة الإيرادات غير النفطية، لجأت الحكومة سابقاً لسحب أموال الأمانات الضريبية لتغطية الرواتب. استرداد 10 تريليونات دينار من الفاسدين سيوفر سيولة نقدية هائلة تساعد في استقرار الوضع المالي وسداد مستحقات الموظفين دون الحاجة للاقتراض الخارجي.

4 التعليقات
  • Ahmed MSAFRI
    Ahmed MSAFRI

    بصراحة، هذا الخبر يعكس مستوى من السذاجة التشريعية الذي نأمل ألا يكون حقيقياً في دولة تدّعي السيادة. إن غياب النص القانوني الصريح، كما أشار الخبير الأسدي بذكائه المعتاد، يعني أن ما يحدث ليس سوى «تسوية» بالمعنى العامي للكلمة، أي صفقات جانبية تُبرم بعيداً عن الأنظار. المشكلة ليست في استرداد المال، بل في مبدأ الردع الذي يتبخر تماماً عندما يصبح الفساد استثماراً مجدياً يمكن شراؤه لاحقاً.


    لنفترض جدلاً أن المبلغ المسترد هو فعلاً 10 تريليونات دينار، فذلك لا يعالج جذر المشكلة الهيكلية في الاقتصاد العراقي المعتمد على النفط بشكل مفرط. إن تحويل الفاسدين إلى دافعين ضريبيين متأخرين بدلاً من محكومين بالسجن هو إهانة لعقل المواطن البسيط الذي يتحمل تبعات سوء الإدارة منذ عقود. السؤال الحقيقي ليس كم سيستردون، بل من سيقف وراء هذه القائمة الـ40؟ وهل ستشمل صناع القرار الحاليين أم فقط المنافسين السياسيين الذين سقطوا؟


    إن الجمع بين حملة أمنية صارمة وعرض تسويات مالية مفتوحة هو تناقض منطقي صريح. إما أن تكون هناك حرب حقيقية على الفساد، أو أن تكون هناك عملية تجميل سياسي لتهدئة الرأي العام قبل انتخابات أو تغيير حكومي. في كلتا الحالتين، المواطن هو الخاسر الأكبر، فهو يرى الدولة تتصرف كطرف في الصفقة بدلاً من كونها الخصم المحايد. هذا النوع من الحلول يخلق سابقة خطيرة تضعف هيبة القضاء وتحوّل العدالة إلى سلعة قابلة للتفاوض.

  • abdul mohammed
    abdul mohammed

    يا ريت بس ترجع فلوسنا 🙄
    البايخ هذي مجرد مسرحيات سياسية 😂

  • Mohammed Elamin
    Mohammed Elamin

    :( هالناس ما يفهمون شي! الفاسد إذا رد الفلوس يبقى حر، وهذا ظلم كبير للمواطن الشرفاء اللي يسرقون حقوقهم كل يوم. لازم السجن مش الصفقات! :)

  • Dubai Safari Trips
    Dubai Safari Trips

    من منظور تحليلي دقيق، يجب النظر إلى هذه التسويات كأداة للهندسة المالية وإعادة الهيكلة المؤسسية (Institutional Restructuring) وليس مجرد إجراء قضائي عابر. نحن نتحدث هنا عن آلية لإدارة المخاطر السيادية (Sovereign Risk Management) حيث يتم تحويل الأصول المشبوهة إلى سيولة نقدية قابلة للاستثمار في البنية التحتية. المشكلة ليست في المفهوم ذاته، بل في غياب الإطار الحاكم (Governance Framework) الذي يضمن الشفافية الكاملة في تقييم الأصول ومصادرة الأملاك ذات المنشأ الفاسد. بدون ذلك، سنواجه تضخماً في التكاليف التنظيمية (Regulatory Costs) وفجوة ثقة مع الأسواق الدولية. النجاح يعتمد كلياً على مدى استقلالية القضاء عن الضغوط السياسية وضمان تطبيق معايير المحاسبة الدولية في تقييم العوائد المتوقعة من هذه الأموال المستردة.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة*