يوليو 2024: أدفأ شهر في تاريخ البشرية حسب NOAA

يوليو 2024: أدفأ شهر في تاريخ البشرية حسب NOAA

الأرقام لا تكذب، لكنها أحياناً تخيف. سجل الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) أن شهر يوليو من عام 2024 كان الأكثر حرارة على مستوى العالم منذ بدء تسجيل البيانات قبل 175 عاماً. لم يكن الأمر مجرد ارتفاع طفيف؛ فقد تجاوز متوسط درجة الحرارة السطحية العالمية 1.21 درجة مئوية فوق متوسط القرن العشرين. هذا ليس خطأً في القياس، بل هو واقع ملموس يعيشه مليارات البشر.

النشر الذي تم في 13 أغسطس 2024 كشف عن سلسلة مقلقة: 14 شهراً متتالياً من درجات الحرارة القياسية، تمتد من يونيو 2023 إلى يوليو 2024. هذه أطول فترة دفء قياسي في السجلات الحديثة منذ عام 1980. السابق لها استمر لمدة عام واحد فقط بين مايو 2015 ومايو 2016. الآن، نحن نتحدث عن استمرار غير مسبوق في الارتفاع الحراري.

رقصة الأرقام: NOAA مقابل كوبرنيكوس

قد تتساءل: لماذا تختلف التقارير؟ هنا يكمن الفرق الدقيق. بينما صنفت NOAA يوليو 2024 كأدفأ يوليو في سجلاتها، جاء تقرير خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ التابعة للاتحاد الأوروبي ليصنفه كثاني أدفأ يوليو عالمياً، بمتوسط 16.91 درجة مئوية. الفارق؟ يعتمد كل طرف على خط أساس مختلف. استخدمت NOAA متوسط القرن العشرين، بينما اعتمدت كوبرنيكوس على الفترة المرجعية 1991-2020 عبر مجموعة بيانات ERA5.

ومع ذلك، اتفق الطرفان على نقطة جوهرية واحدة: الأيام الثلاثة الأخيرة من الشهر كانت حاسمة. سجلت الأيام الحارة القياسية في 22 و23 يوليو أعلى درجات حرارة يومية مسجلة في تاريخ ERA5، حيث بلغت 17.16 درجة مئوية. الفارق بين اليومين كان 0.01 درجة فقط، مما جعل تحديد "اليوم الأكثر حرارة" أمراً غامضاً حتى للخوارزميات المتقدمة.

اللهب يجتاح الخريطة العالمية

لم تكن الحرارة موزعة بالتساوي. شهدت شمال أفريقيا وجنوب شرق آسيا وغرب الولايات المتحدة موجات حر قياسية. لكن المفاجأة الحقيقية جاءت من الخليج العربي. هناك، تجاوزت درجات الحرارة المحسوسة 60 درجة مئوية في بعض المناطق. في مدينة Asaluyeh الإيرانية، رصدت محطة أرصاد جوية عالمية مؤشر حرارة يقارب 69 درجة مئوية في 17 يوليو. تخيل الخروج من منزلك وشعورك بأن الهواء نفسه يحرق رئتيك.

في أوروبا، كانت الصورة أكثر قتامة مما يبدو. شهدت إيطاليا واليونان درجات حرارة تجاوزت 40 درجة، مع ليالٍ استوائية في أثينا حيث لم تنخفض الحرارة الليلية عن 30 درجة. الباحثون من منظمة World Weather Attribution أكدوا أن شدة هذه الموجات الحرارية في البحر المتوسط لم تكن لتحدث لولا التغير المناخي الناجم عن النشاط البشري.

  • أمريكا الشمالية: غرب كندا والولايات المتحدة عانيا من جفاف وحرائق غابات واسعة النطاق.
  • أوروبا: موجات حر شديدة في الجنوب، مقابل طقس أقرب للمتوسط أو أقل قليلاً في الشمال الغربي مثل المملكة المتحدة وأيرلندا.
  • آسيا: فيضانات مميتة في الهند وتايوان بسبب الأمطار الموسمية الغزيرة والإعصار Gaemi.
  • أستراليا: مناطق وسطى وشرقية شهدت برودة نسبية مقارنة بالمناطق الأخرى.

المحيطات والأعاصير: تفاعل معقد

درجة حرارة سطح المحيطات كانت ثاني أعلى قيمة مسجلة على الإطلاق عند 20.88 درجة مئوية في نطاق 60°S-60°N. هذا الارتفاع أنهى سلسلة استمرت 15 شهراً من القيم القياسية. الأهم من ذلك، أن المياه الدافئة في البحر الكاريبي ساهمت بشكل مباشر في تقوية الإعصار Beryl، الذي وصل إلى الفئة الخامسة مبكراً جداً في الموسم. ضرب الإعصار جامايكا ثم تكساس، مخلّفاً دماراً واسعاً وانقطاعات كهربائية طويلة الأمد في هيوستن.

على الجانب الآخر، شهد أنتاركتيكا ظواهر غريبة. سمح ضعف الدوامة القطبية بدخول هواء بارد نحو أمريكا الجنوبية، مما أدى إلى نفوق حيوانات برية بسبب الصقيع. لكن في الوقت نفسه، ارتفعت درجات الحرارة اليومية في أجزاء من أنتاركتيكا بأكثر من 10 درجات فوق المتوسط، مما جعلها خامس أدفأ يوليو في سجلاتها.

ماذا بعد؟ نظرة على المستقبل القريب

ماذا بعد؟ نظرة على المستقبل القريب

مع انتهاء ظاهرة إل نينو، تتجه الأنظار الآن نحو احتمال ظهور ظاهرة لا نينا. أعطى مركز توقعات المناخ التابع لـ NOAA احتمالية بنسبة 66% لظهور لا نينا خلال الفترة من سبتمبر إلى نوفمبر 2024، وترتفع النسبة إلى 74% للاستمرار خلال الشتاء القادم. عادةً ما تجلب لا نينا تأثيرات تبريدية مؤقتة للعالم، لكن السؤال يبقى: هل ستكسر هذه الدورة من الارتفاع القياسي، أم أنها مجرد استراحة قصيرة قبل استمرار الاتجاه التصاعدي؟

أسئلة شائعة حول مناخ يوليو 2024

لماذا يختلف تصنيف يوليو 2024 بين NOAA وCopernicus؟

يعود الاختلاف إلى "خط الأساس" المستخدم في المقارنة. تستخدم NOAA متوسط درجات الحرارة للقرن العشرين كمرجع، بينما تعتمد Copernicus على الفترة المرجعية الحديثة 1991-2020. رغم اختلاف التصنيف (الأول عالمياً مقابل الثاني عالمياً)، إلا أن كلاهما يؤكد وجود اتجاه احتراري قوي وغير طبيعي.

هل كانت ظاهرة النينيو هي السبب الرئيسي في حرارة يوليو؟

لا تماماً. حدثت درجات الحرارة القياسية في ظل ظروف محايدة لظاهرة ENSO (حيث لا توجد ظاهرة النينيو ولا لا نينا). هذا يعني أن الاحترار الأساسي ناتج عن تراكم غازات الدفيئة وتأثير الاحتباس الحراري طويل المدى، وليس فقط عن التذبذبات الطبيعية للمحيط الهادئ.

كيف أثرت الحرارة على الحياة اليومية في الخليج العربي تحديداً؟

شهدت المنطقة ظروفاً قاسية جداً حيث تجاوز مؤشر الحرارة 60 درجة مئوية في دبي ومناطق أخرى. الرطوبة العاليةcombined with Heat جعلت الشعور بالحرارة يفوق القراءة الفعلية بمراحل، مما دفع السلطات لتحذيرات صحية صارمة وتغيير مواعيد العمل الخارجية لتجنب الإجهاد الحراري.

ما هي العواقب المحتملة لظهور ظاهرة لا نينا في الخريف؟

عادةً ما تعمل لا نينا على تبريد درجات الحرارة العالمية مؤقتاً وقد تزيد من نشاط الأعاصير الأطلسية. ومع ذلك، فإن الاتجاه العام للاحتباس الحراري قد يخفف من تأثير التبريد هذا، مما يعني أن الأشهر القادمة قد تكون أكثر برودة نسبياً من الصيف الماضي، لكنها قد تبقى أعلى من المتوسطات التاريخية.

هل يمكن ربط الفيضانات في آسيا مباشرة بتغير المناخ؟

نعم، تشير الأدلة العلمية إلى أن الهواء الأدفأ يحمل رطوبة أكثر، مما يؤدي إلى أمطار غزيرة وأكثر عنفاً. الفيضانات المدمرة في الهند وتايوان والصين، التي أسفرت عن مئات الوفيات، تعكس نمطاً متزايداً من الأحداث المتطرفة المرتبطة بتغير المناخ، حتى لو كانت الأمطار الموسمية ظاهرة طبيعية.