أبوظبي تمنح 75 موظفاً حكومياً صفة الضبطية القضائية لتعزيز الرقابة

أبوظبي تمنح 75 موظفاً حكومياً صفة الضبطية القضائية لتعزيز الرقابة

في خطوة تعكس تسارع وتيرة التحول المؤسسي في العاصمة، أدّى 75 موظفاً حكومياً اليمين القانونية اليوم أمام المستشار علي محمد البلوشي, النائب العام لإمارة أبوظبي، ليُمنحوا رسمياً صفة «الضبطية القضائية». هذا الحدث الذي وقع في إمارة أبوظبي يوم 20 يوليو 2026، لا يمثل مجرد إجراء بيروقراطي روتيني، بل هو امتداد لسياسة حكومية واضحة تهدف إلى سد الفجوة بين الرقابة النظرية والإنفاذ العملي على أرض الواقع.

الوجهة الأولى لهذه الصلاحيات الجديدة هي دائرة البلديات والنقل، التي ستتكفل بمراقبة التزام المنشآت بالأرصفة والمخالفات المرورية الإدارية. لكن الصورة أوسع من ذلك؛ فقد شملت القائمة هيئة أبوظبي للزراعة والسلامة الغذائية لضمان مطابقة المنتجات للمعايير الصحية، وهيئة أبوظبي للطفولة المبكرة للإشراف على جودة مراكز الرعاية النهارية، إضافة إلى كادر من شركة طاقة (الشركة الوطنية للطاقة) لمراقبة الالتزامات التنظيمية في قطاع الطاقة.

ما الذي تغيّر فعلياً على الأرض؟

السؤال المطروح: ما الفرق العملي بين موظف عادي ومأمور ضبط قضائي؟ الإجابة تكمن في سلطة «الإثبات». بموجب القانون، يستطيع هؤلاء الموظفون الآن تحرير محاضر رسمية ضدها لا يمكن الطعن فيها بسهولة، وضبط الأدلة المادية دون الحاجة دائماً لتدخل الشرطة فوراً، خاصة في المخالفات الإدارية البسيطة. هذه الصلاحية تخضع لقيد مهم جداً: فهي تقتصر على الجرائم والمخالفات المرتبطة بوظائفهم مباشرة، والتي يعاقب عليها بغرامات مالية أو جزاءات إدارية، ولا تشمل الجرائم الكبرى التي تستوجب الحبس، حيث تبقى صلاحيتها بيد النيابة العامة والشرطة فقط.

هنا يكمن التوازن الدقيق الذي يسعى إليه المشرّع الإماراتي. فبدلاً من إرهاق المحاكم بقضايا بسيطة مثل مخالفة لافتة تجارية أو نقص في معايير سلامة غذائية طفيفة، يتم تفويض جهات متخصصة بالرقابة الميدانية السريعة. هذا النهج يشبه ما حدث في دبي مع إصدار القانون رقم 19 لسنة 2024، حيث تم توسيع قاعدة المفتشين لتغطية قطاعات واسعة، مما خفف الضغط عن النظام القضائي التقليدي.

الخلفية التاريخية: من قرار 2022 إلى دفعة 2026

لم تأتِ هذه الدفعة الحالية من العدم. إذا نظرنا إلى الوراء قليلاً، سنجد أن سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان, نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير شؤون الرئاسة ورئيس دائرة القضاء في أبوظبي، كان قد أطلق موجة أولى من التخويل في مايو 2022. حينها، مُنحت الصفة لـ 48 مفتشاً في أربع دوائر رئيسية. ثم جاءت دفعات لاحقة شملت 78 مأموراً، تلتها دفعة ضخمة ضمّت 91 موظفاً في سبع دوائر بينها الصحة والتقاعد.

لكن الأرقام وحدها لا تصنع الكفاءة. قبل أن يمسك هؤلاء الـ 75 موظفاً بالقلم لتحرير أول محضر، خضعوا لعملية تأهيل مكثفة. كشفت تقارير سابقة عن تنفيذ دائرة القضاء 21 برنامجاً تدريبياً متخصصاً خلال ستة أشهر فقط، بلغ مجموع ساعاتها 1619 ساعة تدريبية. هذا الرقم ليس صغيراً؛ فهو يعادل أكثر من شهرين ونصف من التدريب المكثف لكل مجموعة، يغطي فيه المتدربون جوانب التحقيق الجنائي، وأساليب المقابلة، وإجراءات حفظ الأدلة الرقمية والمادية.

آلية العمل: من التفتيش إلى المحضر

كيف يعمل مأمور الضبط القضائي في الميدان؟ العملية تبدأ بجولة تفتيشية مجدولة أو مفاجئة. عند رصد مخالفة، يقوم الموظف بتوثيقها عبر نظام رقمي متصل بدائرة القضاء. هنا يتدخل عنصر السرعة؛ فالمحضر يُرفع فوراً، وتبدأ المهلة القانونية للمخالف للاعتراض أو الدفع بالغرامة. هذا النظام يضمن الشفافية، إذ أن كل خطوة موثقة زمنياً ومكانياً، مما يقلل من احتمالية التعسف أو التلاعب الشخصي.

مثال عملي من واقع عمل دائرة البلديات والنقل: إذا اكتشف مفتش يحمل صفة الضبطية القضائية أن مقهىً ما يخالف معايير النظافة أو يستغل الأرصفة بشكل غير قانوني، فإنه لا يحتاج للانتظار حتى تصل دورية شرطة. يكتب المحضر، يلتقط الصور، ويحجز الحقوق القانونية للمواطن أو المنشأة، ليتم بعدها إحالة الملف للقضاء الإداري أو المختص لاستكمال المسار.

ماذا يعني هذا للمواطنين والشركات؟

ماذا يعني هذا للمواطنين والشركات؟

بالنسبة للشركات، الرسالة واضحة: الرقابة أصبحت أكثر تخصصاً وأقل عشوائية. بدلاً من مفتش عام يبحث عن أي خطأ، ستواجه فرقاً متخصصة تعرف بالضبط ما تبحث عنه بناءً على تشريعات قطاعها. أما بالنسبة للمواطنين، فالأثر المباشر هو سرعة حل المشكلات اليومية، سواء كانت تتعلق بجودة الغذاء، أو سلامة المباني، أو التزام حضانة الأطفال بالمعايير التعليمية.

حقائق سريعة

  • عدد الموظفين الجدد: 75 موظفاً حكومياً وشبه حكومي.
  • الجهات المعنية: البلديات والنقل، الزراعة والسلامة الغذائية، الطفولة المبكرة، وشركة طاقة.
  • الإطار القانوني: قانون تنظيم الضبطية القضائية الصادر عام 2021 في أبوظبي.
  • نطاق الصلاحية: مخالفات إدارية ومالية مرتبطة بالوظيفة، دون جرائم سالبة للحرية.
  • ساعات التدريب السابقة: 1619 ساعة تدريبية ضمن 21 برنامجاً تأهيلياً.

التحديات والآفاق المستقبلية

على الرغم من الإيجابيات، تبرز تحديات تتعلق بالتوازن بين الصرامة والحزم. هل سيؤدي هذا التوسع إلى زيادة في عدد الغرامات المفروضة؟ ربما. لكن الخبراء يرى أن الهدف ليس جمع الإيرادات، بل ضمان الامتثال. المشكلة الحقيقية تكمن في كيفية ضمان محايدة المفتش الجديد، وهو ما تحاول دائرة القضاء تحقيقه عبر برامج التدريب المستمرة والمتابعة الدورية لأداء المأمورين.

في الختام، يبدو أن أبوظبي تسير بخطى ثابتة نحو نموذج «الحكومة الذكية» الذي لا يعتمد فقط على التقنية، بل على تمكين الكوادر البشرية بصلاحيات قانونية دقيقة. ومع دخول هذه الدفعة الجديدة للعمل، من المتوقع أن نشهد تحولاً في طريقة تعامل الجهات الحكومية مع المخالفات اليومية، بما يجعل التجربة أقرب إلى المعايير العالمية في إدارة الحوكمة المحلية.

أسئلة شائعة

هل يمكن لمأمور الضبط القضائي في أبوظبي حبس المخالف؟

لا، وفقاً لقانون تنظيم الضبطية القضائية في إمارة أبوظبي لعام 2021، يقتصر دور مأموري الضبط القضائي من الموظفين الحكوميين على إثبات الجرائم والمخالفات التي يعاقب عليها بعقوبات إدارية أو مالية فقط. الجرائم التي تستوجب عقوبة سالبة للحرية (الحبس) تبقى صلاحيتها حصراً للنيابة العامة والجهات الأمنية المختصة.

ما هي الجهات الأربع التي حصلت على هذه الصفة في يوليو 2026؟

شملت القائمة الجديدة 75 موظفاً من أربع جهات رئيسية: دائرة البلديات والنقل، وهيئة أبوظبي للزراعة والسلامة الغذائية، وهيئة أبوظبي للطفولة المبكرة، بالإضافة إلى شركة «طاقة» (الشركة الوطنية للطاقة). كل جهة ستطبق الصفة ضمن نطاق اختصاصاتها التشريعية المحددة.

كم ساعة تدريبية خضع لها المرشحون قبل منحهم الصفة؟

نفذت دائرة القضاء في أبوظبي 21 برنامجاً تدريبياً متخصصاً خلال فترة ستة أشهر، بلغ مجموع ساعاتها 1619 ساعة تدريبية. استهدفت هذه البرامج موظفي 12 جهة حكومية مختلفة لضمان تأهيلهم وفق أفضل الممارسات الدولية في مجال الضبط القضائي والإداري.

من المسؤول عن الإشراف على أداء هؤلاء المأمورين الجدد؟

يتولى المستشار علي محمد البلوشي، النائب العام لإمارة أبوظبي، الإشراف الأعلى على مأموري الضبط القضائي. كما تتحمل كل جهة حكومية مسؤولية رقابية داخلية على موظفيها، بينما تضمن دائرة القضاء في أبوظبي متابعة الالتزام بالإجراءات الجزائية والقوانين السارية عبر آليات التدقيق الدوري.